رحيق العلم



 
رحيق العلم
 

كانت الدراسة الجامعية حلم يراودني ، والفرصة الوحيدة هي الحصول على معدل عال ليتسنى لي الالتحاق ببعثة خارج البلاد، وكان لي ذلك حيث التحقت بالجامعة الأردنية العريقة ذات الطابع الأسطوري في البناء ، حيث الكليات تتوزع فوق تلال من الحشائش الخضراء ،والحرم الجامعي عبارة عن غابة مترامية الأطراف، كثيفة الأشجار، محاطة بأحواض من الورود المتنوعة، والمقاعد الخشبية نجدها في كل زاوية من زوايا الحرم الجامعي أعتدت أن أتخذ لي ركناً تحت ظلال الأشجار، ومن فوقها أعشاش طيور الكناري تغرد مناجية إله الكون، الذي أبدع الوجود، فتتجاوب مع نغمها العذب، أوراق الشجر بحفيفها بعد أن تراقصها نسمات الهواء العليل.

 أتناول فطوري في هذه البقعة الخلابة وأنا في نشوة لا توصف، أو أخط رسالة إلى الأهل والخلان، أو أجالس أختاً تاهت بها دروب الحياة لأخذ بيدها سبيل الهداة...!

كان الحصول على مقعد في قسم اللغة العربية نصف الحلم الذي بتر...! فكانت كلية الآداب قسم الدراسات التاريخية، على أمل أن يتغير التخصص في السنة الثانية من الدراسة... ولكنني فوجئت بجهل الطلبة هناك بالحقائق التاريخية، للعديد من القضايا المفصلية في التاريخ الإسلامي ... ودون سابق تخطيط شعرت أن الواجب التشريعي يلزمني في البقاء في هذا التخصص، فكانت الحوارات التاريخية اعتماداً على الكتب المعتدلة، وعلى رحابة صدر الأساتذة الأفاضل ، والذي أعانني حقيقة على هذه العملية المكتبة العامة للجامعة، ذاك المبنى الشامخ المتربع على يمين البوابة الرئيسية ،الذي ينهل منه كل باحث وطالب علم ، كنت أقضي فيها أجمل ساعات العمر ،أنهل من شتى العلوم ليكون فعلاً مثالاً لمقطع المتنبي  "وخير جليس في الزمان كتاب " كانت هي مصدري الوحيد حيث حوت على أمهات الكتب القديمة والحديثة والمخطوطات النادرة ،إنها من أروع المكتبات التي دخلتها في حياتي حتى أن شعاري الذي  أصبحت أردده على مسامع رفيقات الدراسة  " انهلوا من هذا العلم قبل أن تشغلكم الدنيا "..!

 ولكن حلم اللغة العربية لم يفارقني ،لذا اخترت المواد الاختيارية من قسم اللغة العربية، مع خيرة الأساتذة الذين حتى هذه اللحظة لن أنسى فضلهم  ما حييت ، وهما الدكتور : فواز الطوقان ومادة فن الكتابة والتعبير "وقصة التاجر والعصفور"  وغيرها من الروايات والمسرحيات، التي كنا نضيف عليها فصلاً أو ننقدها بمقالة ذات رؤية نقدية فأظهرت قدرات جيدة في هذا المجال .

والدكتور خالد الكركي ومادة تذوق النص الأدبي فكانت قصائد الشاعر العراقي بدر شاكر السياب و شوقي وحافظ إبراهيم، وشعراء الجاهلية والعصر الإسلامي... وذاك الإلقاء المنغم على وتر القافية أو الشعر الحر، تنقلني إلى الصور الجمالية التي يرسمها النص بريشة فنان مبدع ...!وكانت خواطري وقصصي القصيرة التي نشرت على صفحات مجلة كلية الآداب بتوجيه من الأستاذين الفاضلين ..

بعد رجوعي إلى أرض الوطن، كانت قد تشكلت شخصيتي بالمنهج الإسلامي فالصحوة الإسلامية كانت في انطلاقتها، وخاصة في الدول ذات الطابع الديمقراطي    كما إن تجربتي الأدبية قد نضجت، وبدأ قلمي يتجاوز التستر خلف الأسماء المستعارة "بنت الرسالة ... وأم نبراس ... وأم جعفر" لأخرج  باسمي الحقيقي على صفحات الملحق الثقافي،لجريدة عمان....

 وازداد طرق الباب فحال بيني وبين إكمال الدراسة ...! إلا إنني رأيت أنه آن الأوان كي أحقق حلمي في تأسيس أسرة إسلامية، تنهل من نبع النبوة وفيض الإمامة وسيرة الصحابة الصالحين وأربي فلذات أكبادي على المنهج الإسلامي الواعي فكان ولدي البكر ثم بعده بسنتين ابنتي ... وكانت معهما ولادة كل من طارق الندم والفتيات الخمس والعديد من المسرحيات التي لم تطبع حتى الآن.