رياحين الصبا



  رياحين الصبا

مرحلة الصبا ، حيث تتفتح رياحين القلوب، وتنسج العواطف خيوطها الحريرية حول الروح والنفس، فيخفق القلب لكل جمال في الطبيعة، فتبدأ رحلة البحث عن سر هذا الوجود، فتقرع الأبواب تلو الأبواب ، وتناجي الأقمار في الليالي المقمرة، والنجوم في الليالي المظلمة ،إن تلك المرحلة فيها من الشفافية ما تجعل المرء يغوص في أعماقه، فيرسم سفناً تجوب عبر البحار ، وتعشق كل جزيرة تأوي إليه ،وتبحث خلف كل ساحل علها تجد سرها مخبأ هناك،ولا يقر لها القرار فلؤلؤة البحار لا تستقر إلا في قيعان المحيطات .

و كانت النموذجية تلك الدوحة الغناء،  ذات خصوصية مخالفة للمدارس الإعدادية بإدارة السيدة الفاضلة الدكتورة والشاعرة ( سعيدة بنت خاطر ) ، والتي كانت تحمل رؤية متجددة في الإدارة ، ترعانا وتعتني بنا كأم شديدة الحرص على بناتها  ، في هذه الدوحة ومن خلال تلك المكتبة الحديثة والرائعة التي كنا قد حضينا بها ، كنت أقضي أوقات الاستراحات وأستعير منها كل يوم كتاباً ، تعرفت على روائع القصص العالمية ( كوخ العم توم ، روبنسن كروز ، وقصص البؤساء، ...وغيرها )  وكانت قصص المغامرات ( المغامرون الخمس ، تختخ ولوزة ....) تنقلني من عالم الواقع إلى عالم الألغاز البوليسية ، فأعيش التجربة الخيالية كحقيقة ممكنة الحدوث في كل مكان .

كانت دروس اللغة العربية من أمتع الحصص ، حيث معيني الذي لا ينضب ، ونهم روحي التي تبحث عن الرواء مع  المعلمة القديرة والسيدة الجليلة :(زكية القماز- رحمها الله -) التي تبحرت معنا في اللغة عبر نصوص كبار الشعراء أصحاب المعلقات ، وشعراء العصر الإسلامي كأبي العلاء المعري والمتنبي وإيليا أبو ماضي وأحمد شوقي .وغيرهم.)  وهكذا ازداد بحثي وسؤالي عن  تلك الدواوين ، كما أنني كنت أحضر  قصائد ينشدها المنشدون ، فنعيش مع المعلمة وهي تصور لنا أجواء كلماتها البديعة، وصورها البلاغية ،فكنت أجد فيها الجمال والإبداع الإلهي الذي بدأت أتلمس أولى خطوطه ، فقد بدأ نور الإيمان يتغلغل إلى كياني ، فاتخذت لنفسي منهجاً قائماً على الوعي بالمنهج الإسلامي ،وكان نهج البلاغة ، وكانت رحلة متعبة معه ، فما نطق به علي ابن أبي طالب (ع) كان من بديع البيان ، وجميل اللسان، نطقه كان باطلاعه على الثقافات المختلفة السائدة في ذلك الزمان ، بعيداً كل البعد عن  التزمت، فكان شعاري أن أسير على خطاه .