شمعة النور



 

شمعة النور

في الرابعة من عمري التحقت "بكّتاب المعلمة مريم "، وحفظت على يديها -رحمها الله - من جزئيين إلى ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم ، وتعلمت أصول القراءة والكتابة . وهنا بدأت شرارة الخطوة الأولى ،فظهر نهمي للقراءة وكنت لا أجد ما أقرأ ،فأكتفي بكتب أخواني الدراسية أقرأها عشرات المرات .

كانت مسقط في تلك الفترة تخلو من المدارس النظامية إلا تلك التي قام مجموعة من أهالي الحي بتأسيسها مقابل مبالغ رمزية ، يقومون فيها بتعليم أصول اللغة العربية إلى جانب  اللغة الإنجليزية ، وكان والدي -حفظه الله- لديه واحدة من تلك المدارس التي كان يقوم بالتدريس فيها بنفسه ،إلا أن تلك المدارس كانت للذكور فقط،  ولكوني الابنة الوحيدة له فقد كان  يسمح لي بالحضور والجلوس في الصفوف الخلفية كمرافقة له ، كنت أستمتع بالدرس وأحفظ الكلمات، ولكني لن أخفيكم أمراً أنني  كنت أشعر بالخوف من طول العصا التي لا تفارق يد والدي وغيره من المدرسين طوال الدرس ،حيث أنها كانت تهوي على المشاغب والكسول دون مواربة  ، وبعد فترة ليست بالطويلة، فتح أحد أولئك المعلمين فصلا خاصاً للفتيات الصغار اللاتي لا تتجاوز أعمارهن السادسة من العمر ،فكانت فرصتي حيث وافق والدي  فالتحقت بها، ورغم الخوف السابق من العصا  إلا إنني استطعت التغلب عليه والتعود على مرافقتها لنا ،ولكني حاولت أن أعقد معاهدة صلح معها ،إذ كنت أحرص على حل الواجبات وعدم المشاغبة أثناء الدرس فمرت السنة بسلام على الجميع والحمد لله .

كانت في طفولتها فتاة مشاكسة تتوق إلى المجهول لا تعرف الاستقرار، ذات خيال خصب ، تبحث عن حقيقة غائبة ،وهي على ثقة من وجودها ، كان هناك حديث يصب في وجدانها ، ويشكل تفاصيل شخصيتها من القيم النبيلة ، فكلما خلدت إلى النوم  تستمع إلى حديثه برتابة وهي بين عالمي اليقظة والمنام  ، وعندما تستيقظ كانت تجد في ذهنها حدثاً قصصياً فلا يكون أمامها إلا  أن تسرد لجدتها التي كانت تجمع لها   الصغار من أفراد العائلة لتفلسف لهم  تلك القصة على أنها حدث واقعي قد تكون هي بطلته أو أحد أفراد الأسرة .

كان شاطئ البحر الممتد أمام الحي المسور مرتعا للمرح واللهو، فكنا نطلق لطفولتنا العذبة العنان، لتنسج من رمالها الناعمة بيوتاً وقلاعاً ، ويداعب الموج أقدامنا الغضة فيسري الخدر فيها ، وحين يبدأ قرص الشمس رحلة المغيب ، أتساءل أين مخبأكِ أيتها الشمس ؟

حينها يكون موعد العودة إلى أحضان حينا ،فتغلق الأبواب لننعم بالأمن تحت ضوء الفانوس " السحري " من جيوش الظلام الدامس .

ويكون سطح المنزل مهيئا للم الشمل على وجبة العشاء المكون من " عدس وخبز التنور الشهي" ، بعدها تبدأ الحكايات تسري بخدرها إلى أوصالنا من الجدات لتسلمنا إلى النعاس تحت ضوء القمر .

بدأت القراءة وأنا في المرحلة الابتدائية بمجلات الأطفال( سامر ، ولولو الصغيرة ) التي بدأت بالظهور على استحياء ، وكنت أحصل عليها بشكل متقطع وكان اعتنائي بها كبيراً ، وكلما شعرت بالوحدة كانت خير جليس لي  فأعيد قرأتها لمرات عديدة، ثم جلب لي أخي الكبير قصص المكتبة الخضراء ( عقلة الإصبع ، والأقزام السبع ،جبل العجائب......) وقصص ألف ليلة وليلة (علي بابا واللصوص ، مصباح علاء الدين ،....)  بعد عودته من رحلة العراق فكانت أجمل هدية تلقيتها في حياتي .

 تنقلت في المرحلة الابتدائية بين ثلاث مدارس لظروف السكن :

      1.        الأولى أسماء بنت أبي بكر في مطرح.

      2.         والثانية تحفة بنت عامر في الحمرية ( وكانت الصفوف عبارة عن خيم )

  3.    والثالثة نجية بنت عامر في الحمرية والتي حصلت منها على الشهادة الابتدائية بتفوق ،لذا كنت ضمن الدفعة التي التحقت بالنموذجية للبنات .