هيا نمثل..!


عدد المشاهدات عدد القراء (1250)
10/2/2011

 

 

المسرح المدرسي والتعليمي

إعداد: فاطمة شعبان

 

المقدمة :-

كم هو ممتع وجميل أن نقوم بعملية محاكاة لقصة ما بعد تحويلها إلى دراما تقدم على خشبة المسرح ، نقدم من خلاله مفهوماً سلوكياً أخلاقياً تفاعلياً للطفل ..!

هذا في الحقيقة ما يهدف إليه المسرح بشكل عام والمسرح المدرسي بشكل خاص..!

وإن كان مساق " نشأة وسائل الإعلام " قد تناول تطور المسرح عبر القرون منذ نشأته إلى يومنا هذا، إلا انه لم يتطرق إلى المسرح المدرسي التعليمي، الذي أجد من الضروري البحث حوله، فهو في اعتقادي اللبنة الأساسية لبناء الإنسان السوي، حيث أننا نبعث إليه الدفء من خلال محاكاة نماذج مختلفة من أصناف البشر، فيجد نفسه صنفاً من تلك الأصناف التي تعبر عما يكنه عقله وقلبه من مشاعر.

فما يُقدم للطالب في المدرسة من مفاهيم سلوكية وعلمية وثقافية ودينية بقوالب جامدة ،لا يحقق الهدف الذي وضع من أجله ذلك المفهوم ..!

إذاً ما هي الوسيلة الناجعة في تحقيق ذلك؟

وكيف بإمكاننا تحويل ذلك المفهوم من قالب جامد إلى أخر متحرك؟!

هذا ما نحن بصدد البحث حوله .

 

التربية والمسرح:-

" إن الأهمية التربوية لمسرح الأطفال تكمن في عدة جوانب منها نفسية واجتماعية وثقافية ، فمن خلال الجانب النفسي يشبع الطفل لكثير من الميول عن الذات والتقبل الاجتماعي وصقل الوجدان وتعديلاً للسلوك، ومن خلال الجانب الاجتماعي نرى أن المسرح هو ممارسة أو مشاهدة واستماع واكتساب لكثير من الخبرات الاجتماعية وحسن المخاطبة كما إن الطفل يكتسب مفهوم التعاون وأهمية العمل الجمعي والإيثار وهو فرصة للانتماء والتفاعل والتوافق مع الآخرين" (1)

 

-        المسرح التعليمي كوسيلة اتصال :-

" المسرح كوسيلة اتصال يمكن أن يفوق أثره ما تقدمه وسائل الإيصال الأخرى، لأنه وسيلة اتصال حية ومباشرة ومثيرة للانتباه ، كما إنها تثير حب الاستكشاف والمتابعة، ويقع تأثيرها مباشرة على إدراك المتلقي ووجدانه، والتواجد في حشد أي - وجود المتلقي بين أفراد آخرين لهم نفس الهدف - يولد حالة نفسية لا تتوالد حين يكون الشخص منفرداً ويمكن لهذه الحالة أن تسهم في تعميق الصورة المعروضة أو الفكرة المطروحة أو الحدث النامي مما ينتج أثره بشكل فوري عميق."(2)

وهذا ما يشير إلى العقل الجمعي، الذي غالباً ما يكون تأثيره قوياً سواءً كان سلباً أو إيجاباً، لآن الفرد لا يجد مجالاً للتفكير الفردي، وهذا الطرح مفيدٌ في إطار الهدف الإيجابي والمدروس، كالمناهج الدراسية، ويولد حالة من توارد الأفكار لدى المتلقي-الطالب- ويحقق ما لا يستطيع تحقيقه الدرس بالأسلوب التقليدي..!

وكما نعلم أن التمثيل في ذاته نشاط حركي صوتي، ومعنى ذلك أنه يؤدي دوراً اتصالياً عن طرق لغة الجسد bodytalk " (3)

وقبل إن نتطرق إلى المسرح التعليمي المدرسي، لا بد من التنويه والإشارة ،إلى أن الاتصال عن طرق لغة الجسد  "وجد فوق الأرض قبل أن يتعلم الإنسان الكلام، فالرقصات التي كان يؤديها كرقصة الحرب ورقصة الانتصار ورقصة لاستدعاء المطر، كل ذلك يؤدي بحركات تمثيلية كان يروي من خلالها الإنسان حكاية "(4)

والمقولة التي تقول : ما الدنيا إلا مسرح كبير مقولة واقعية وصادقة ؟

 

-        المسرح التعليمي وأنواع الاتصال :-

إن المسرح التعليمي شكل من أشكال الاتصال، يتكون من عناصر هي:-

مرسل "الممثلون"+ الرسالة"المسرحية"+ المستقبل" الجمهور"

وكما هو الحال في كل شكل من أشكال الاتصال، يوجد رد فعل أو استجابة فورية وهي في حالة المسرح علامات الاستحسان،أو الاستهجان من قبل الجمهور، وقد يصل رد الفعل إلى درجة من التفاعل بين المستقبلين- الجمهور- والممثلين وهو ما يسمى بسقوط الجدار الرابع .(5)

ولنا أن نقول إن المسرح المدرسي يدخل في دائرة ما نطلق عليه الاتصال ألمواجهي المباشر الجمعي، إلا أننا يمكننا تحويلها من اتصال مواجهي ذات استجابة فورية  إلى اتصال جماهيري ذات رد فعل مؤجل، وذلك في حالة تسجيل العمل على شريط أو تصويره بالفيديو،ثم إعادة بثه .. ليشاهده اكبر شريحة من الجمهور،غير المتجانس وغير المعروف للجمهور الأخر.

وأن كان أحد أبرز المخرجين المسرحين يستنكر ذلك قائلاً :" المسرحية إذا تم تسجيلها وعرضها عبر الفيديو، نعتبرها ماتت فنياً وإخراجياً؛ لأننا لا نستطيع نقل نبض الضوء والصوت والصورة بالكاميرا كما ننقلها بالحضور ألمواجهي ..!" (6)

والمسرح التعليمي دائرة واسعة، فمن الممكن تقديمه داخل المؤسسة التعليمية" المدرسة" وخارج المؤسسة التعليمية، على اعتبار أن العملية التعليمية تتم داخل وخارج نطاق المدرسة..!(7) وعندما يُقدم خارج نطاق المدرسة، تقوم عادة بتقديمه فرقاً مسرحية محترفة تهدف إلى متعة الطفل، وزرع السلوك الايجابي التعليمي في نفسه، معتبرة ذلك جزء من رسالته بحق الطفل، فعلى سبيل المثال إن المسرح  الكويتي قدم مسرحا جميلاً للطفل في الحقبة الماضية من ثمانينيات القرن الماضي كمسرحية " الف باء تاء" وكانت تهدف إلى نبذا الجهل والدعوة إلى طلب العلم، ومسرحية "سندباد البحري" التي ربطت بين التراث القديم والقيم الجميلة لتزرعها في نفس الطفل، ومؤخراً قدمت أحدى الفرق المسرحية مسرحية هادفة بعنوان" إلا صلاتي" وكانت تدعو إلى التمسك بأركان الإسلام والحفاظ عليها مهما كانت انشغالات الحياة ..!

أما إذا أردنا التحدث عن المسرح داخل المدرسة فنجد إنه مسرح تعليمي تربوي، إلا أنه أكثر خصوصية وأكثر تخصصاً" وهو ليس جديداً على المدرسة ، بل الجديد فيه التفاعل الفريد بين المسرح والتربية في سياق المدرسة..! بحيث أصبح المسرح وسيلة تربوية تسهم في تنمية قدرات التلميذ العقلية والاجتماعية، بالإضافة إلى معالجة المنهج الدراسي بأسلوب غير نمطي..!" (8)

"كما إنه نشاط تنمو من خلاله الثقافة العلمية للتلميذ، ويكتسب خبرات من خلال دراسته للنصوص المسرحية، فتنمي لديه القدرة على التعبير وتزيد من حصيلته اللغوية. " (9)

 

مسرحة المناهج :-

تقول صاحبة كتاب " الدراما والمسرح في تعليم الطفل " الأستاذة حنان عبد الحميد العناتي "إن مسرح الأطفال من أعظم الفنون الحديثة، إنه أقوى معلم للأخلاق ،وخير دافع للسلوك الطيب، اهتدت إليه عبقرية الإنسان، لأن دروسه لا تلقى بالكتب بطريقة مرهقة أو في المنزل بأسلوب ممل ، بل بالحركة المتطورة التي تبعث الحماس وتصل مباشرة إلى قلوب الأطفال والتي تعد أنسب وعاء لهذه الدروس ."

أما صاحب كتاب مسرح الطفل– الاستاذ شكري فيقول"ولما للمسرح من خاصية التركيبية والمشاركة على مستوى العرض المسرحي بين التلاميذ والمعلم والتلاميذ فيما بينهم... لذا تعتبر مسرحة المناهج من أنجح الوسائط التربوية لتحقيق الخبرة المباشرة لكلا الطرفين لآن العملية التعليمية خرجت من كونها معلومات تملأ بها عقول التلاميذ وإنما هي خبرات يكتسبها الفرد لكي يتفاعل مع حياته بشكل أفضل ".

 ويضيف قائلاً : "فالمسرح المدرسي يساعد على ربط المواد الدراسية بعضها ببعض، وهي وسيلة فعالة لتبسيط المنهج الدراسي، ومساعدة التلاميذ على استيعاب الدروس بطريقة فعالة ،وبذلك يكون بين أيدي المعلمين وسيلة تعليمية متميزة تحول المادة الجافة إلى مواد سلسة على الاستيعاب"

ومن هنا يتضح أن المدرسة الحديثة تتوجه نحو إعداد الطفل عقلياً وشخصياً عبر التفاعل مع العالم المحيط به وأصدق مثال على أن التعليم بالخبرة أفضل من التعليم بالتلقين سؤال وجه إلى بعض الأطفال في مدينة نيويورك عن مصدر الحليب ..؟!

فقال البعض مصدره القطط البيضاء والبعض الاخر قال أن مصدره البقالة وأخرون قالوا الأرانب الناصعة البياض..!

إن الذي جعلهم يقولون ذلك أنهم لم يشاهدوا في مدينة نيويورك أي بقرة أو جاموسة لعدم توفر المزارع والحقول في هذه المدينة الكبيرة..! (10)

لذا حين تبدأ الدروس رحلتها من مسرح الأطفال فإنها لا تتوقف في منتصف الطريق بل تمضي إلى غايتها، من هنا يتضح قيمة المسرح وتتجلى قدرته على تحويل المادة العلمية الجافة إلى فن مسرحي راق رفيع المستوى يغذي العقل ويحسس شغاف القلب " (11)

ولا تقف مسرحة المادة عند المواد الأدبية فقط بل حتى المواد العلمية تجد لها نصوصاً قابلة للتمثيل، فكل ما توصل إليه العلماء من قوانين واكتشافات علمية من الممكن تمثيلها وتقديمها بقالب درامي، يحقق المتعة ويوصل المعلومة بشكل غير قابل للنسيان، فإذا قدمنا للتلاميذ قانون الطفو وقانون الجاذبية بأسلوب درامي كيف ستكون النتائج ..؟

بالطبع ستحقق مزيداً من الفهم والاستيعاب ، وتخلق جواً من الحوار والمتعة حول تلك القوانين العلمية التي يجد الطلاب غالباً الصعوبة في حفظها واستيعابها .

طرق مسرحة المناهج:-

وهناك طريقتان لمسرحة المناهج حسبما يوردها حامد أبو الخير - وحنان العناتي وهما:-

-        أولاً :الدراما الخلاقة" أو المبتكرة"    ثانياً: النماذج

 

-        والمستلزمات الأساسية للدراما الخلاقة هي :

1-   مجموعة أطفال .

2-   مدرس مؤهل .

3-   مكان متسع-فصل أو هواء طلق .

4-   فكرة يمكن الإبداع من خلالها.

وهي تهدف إلى عمل جماعي بين الأطفال والتفاعل وحرية التعبير الجسدي وزيادة الثقة بالنفس والوعي والفهم الذاتي.

والدراما الخلاقة هي الأقرب إلى المسرح اليومي والصفي، ونعني به اختيار موضوع من المنهج الدراسي يتم الاتفاق عليه فيما بين الطلبة والأستاذ، أو استخراجها من الطلبة، ووضع الحوار بصورة ارتجالية وتحويلها إلى نص مسرحي ،ومن ثم تحديد مكان المسرح في غرفة الصف أو الساحة الخارجية، أما الديكور فيكون بسيطاً يشير إلى العصر الذي يتحدثون عنه ويقومون بأعداده ويكون من ابتكارهم كما إن الملابس تتسم بالبساطة وبعد ذلك يتم اختيار الممثلين لكل دور بعد تقسيم الصف إلى قسمين قسم يمثل وقسم يشاهد ويقيم وبعد ذلك تتم العملية بصورة متبادلة .

هذا النوع من المسرح لا يتم الالتزام بحرفية الممثل، فيجب على المدرس عدم التشديد على الأداء وعدم استخدام الصرامة مع الأطفال كي يستطيع الطفل أن يتعلم بالمحاكاة..!

 ويجب على المدرس أن يشيع روح الود والطمأنينة حتى لا يشعروا بالخجل وينطلقوا في التعبير عن مكنوناتهم.

ويجب عدم الإطراء على الأداء بشكل مبالغ فيه، حيث أنهم ليسوا ممثلين محترفين ..

ثانياً: النماذج:-

إن هذه الطريقة تقوم على اختيار نموذج من مكتبة المدرسة أو يقوم بكتابتها أحد المختصين ،أو أحد المدرسين الملمين بأصول الكتابة المسرحية، وتقدم على مستوى مسرح وتجهيزات مسرحية، ومن الممكن المشاركة بها في المسابقات المدرسية أو من الممكن أن يقدمه المسرح العام ،وتذهب المدرسة إلى مشاهدته .(12)

الخاتمة:

ختاماً نقول إن الحديث عن المسرح المدرسي والمسرح التعليمي كوسيلة اتصال يؤدي بنا إلى نتائج  رائعة نخلق من خلال تطبيقه جيلاً سليماً نفسياً واجتماعياً لأنه يمارس دوره الحقيقي بكل حرية فإذا تساءلنا من المنتج الأول لهذه الأعمال ؟

سنجد إن المنتج الأول لتلك الأعمال المسرحية هو منهج الطالب بما يحويه من قصص ونصوص وقصائد وروايات وحكايات واختراعات وظواهر طبيعية، كل ذلك الزخم من المادة العلمية من الممكن تحويلها إلى دراما يقوم الطالب بأدائها مع زملائه وأساتذته داخل غرفة الصف الدراسي بعد صياغتها..!

إلا إن تواجد المشرف المسرحي أمر لابد منه إلى جانب المعلم في كل مدرسة فالتعاون من الإدارة التعليمية في توفير الكادر أمرٌ في غاية الأهمية ولا بد أن يثمر هذا التعاون من إنتاج توليفة على مستوى المسرح المدرسي اليومي بالتعاون مع جميع أقسام المدرسة كل حسب قدراته الأكاديمية والفنية ليحلق طائر المسرح المدرسي بجناح العلم والمتعة معاً .

أسأل الله تعالى أن يحفظ أجيالنا من كل سوء وأن يأخذ بيد أطفالنا نحو الصحة النفسية والعقلية كي يكونوا ثماراً يانعة حين قطافها للبشرية جمعاء

كما أتمنى أن ينال هذا الجهد المتواضع تقدير أستاذي الدكتور محمد بشير

وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فهرس المراجع:-

(1)- نرمين الحوطي-الغزو على مسرح الطفل في الكويت ص274-275

(2)- المسرح التعليمي- عبد المجيد شكري ص 68-69

(3)- نفس المصدر- ص69

(4)- نفس المصدر بتصرف- ص 69

(5) نفس المصدر بتصرف ص 71

(6)- لقاء خاص مع المخرج المسرحي –الدكتور عبد الكريم علي جواد

(7)- المسرح التعليمي- عبد المجيد شكري –بتصرف ص84

(8)-حنان العناتي- ص 170

(9)- مسرح الطفل- محمد حامد أبو الخير- ص27

(10)- نفس المصدر – أبو الخير- ص 51

(11)- الدراما والمسرح في تعليم الطفل –حنان العناتي-ص170)

(12)-مسرح الطفل-حامد أبو الخير –ص59

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع المعتمدة في إعداد البحث هي :-

1-القصة في أدب الأطفال – طبعة منقحة 2000-أحمد نجيب- الناشر دار الحدائق-بيروت -لبنان

2-مسرح الطفل في الكويت-سيد حافظ – دار المطبوعات الجديدة-الاسكندرية-مصر

3-المسرح التعليمي أصوله التربوية..عبدالمجيد شكري-العربي للنشر والتوزيع-القاهرة 2004.

4-مسرح الطفل – محمد حامد أبو الخير-الهيئة المصرية العامة للكتاب-1988

5-الدراما والمسرح في تعليم الطفل-حنان عبد الحميد العناتي-دار الفكر للطباعة..1997

6-أثار الغزو على مسرح الطفل في الكويت- دكتورة نرمين يوسف الحوطي- صفحات الانترنت

7-المسرح المدرسي- صفحات الانترنت .