بين قصص الكبار وقصص الأطفال - دراسة مختصرة


طباعة طباعة اخبر صديقك أخبر صديقك عدد المشاهدات عدد القراء (980)
المجلة: جريدة عمان الكاتب: الصحافية : حنان فتحي 24/4/1995
 

 

دراسة نقدية

للكاتبة الصحفية : حنان فتحي

جريدة عُمان

عن الأديبة : فاطمة محمد شعبان

بين قصص الكبار وقصص الأطفال

لغة ورؤى مشتركة لقاصة عمانية المنشأ تنسج سردية الحوار

رمزية سهلة وشاعرية ناعمة

 

القصة القصيرة :-

تتميز القصة القصيرة بالنفاذ إلى قلب الواقع في رصد أدبي وفني للقطات من الحياة في حبكة قصصية بأسلوب فيه من البلاغة والبيان وتصوير من الحدث ، وتتميز قصص الطفولة بالأسلوب الراقي الذي يستسيغها الطفل وتتناول لقطات من واقعه ومحيطه وبيئته في جمل سريعة ومعبر عن عالم ثري كبير ألا وهو عالم الأطفال.

وكاتبتنا الكاتبة القصصية فاطمة محمد شعبان قد جمعت بين كتاباتها للقصة القصيرة الجيدة وكذا لقصص الأطفال و تنوع إنتاجها القصصي بتناول لقطات من واقع الطفل و الشاب و الكبير و كافة الأعمار ، كما تنوع أسلوبها بين الأسلوب الشاعري الزاخر بالصور و المشاعر والأسلوب البسيط المعبر عن الحركة و الموقف.

واشتملت قصصها العديدة على الكثير من المواقف الاجتماعية و الحياتية اليومية و كذا قصص الرمز و المعلومة و نعيش معاً و نتجول في عدد من القصص القصيرة.

قصص شاعرية

قصص تشعر عند قراءتها انك أمام لوحة فنية هادئة و حالمة و مملوءة بالمشاعر و الصور و الأحاسيس و نتوقف عند قصة (انزع جلدك) فمن أولها إلى آخرها صور من الشجن العذب "نظراتي مصوبة إلى حيث أزفر..أتمنى  أن أكون خيالاً أتحول إلى كرة صغيرة..أحسست بالظلام قد أطبق على عيني ، لا أطيق الضوضاء..أستأنس بالوحدة"و"الصمت حاجز خفي" و فيها خيال واسع حيث صديق يأخذ بيد صديقه و يعلو به إلى قمم الجبال و ينتشله من الوحدة .. إذابة نفسه "لقد اختفى" و ظل الحوار النفسي يدور بشكل جيد و يتصاعد ليرى له حقيقة نفسه ، و ينزع جلده .. ويولج بين الولد و الشيخ و بين العملاق و القزم .. و إذا به في

النهاية هو نفسه "تلفت يمنة و يسرى لأبحث عن الشيخ ، رفعت بصري نحو الأفق فإذا بسحابة تبتعد عني و هي تخاطبني "انه نفسك .. انه ثقتك .. انه روحك !!" " و قصص (أيعود الربيع) و (طارق الندم) تغلب عليها اللغة الشاعرية و الرؤية الفلسفية.

قصص اجتماعية

و تميزت قصص الكاتبة بالرؤية الاجتماعية الهادفة و نلقي الضوء على قصة (عيدية يا عم) فهي تعكس صورة الشاب الذي لا يعمل و لا يكدح من أجل الكسب و لكن يقترب من سيارات المارة يدق على زجاج النافذة يظهر كفه قائلاً "عيدية يا عم".

و قصة (الصفعة الأخيرة) و هي تتناول قصة نورة التي تتمزق بين عملها كأم في البيت و كموظفة (باحثة اجتماعية) فهي تهمل بيتها و تترك الأمور المنزلية إلى "سوزي" و تعطي عملها كل الجهد و الوقت على حساب أولادها.

و تأتي لها الصفعة الأخيرة و تفجع حين تعلم أن اسم الشاب الذي يندرج في قائمة انحراف الأحداث هو ابنها و لا تصدق حين تحمل لها الموظفة هذا النبأ قائلة "أعيدي علي الاسم؟" "و لبثت محدقة و هي لا تكاد تعي أو تصدق .. ابني..خالد ثمرة حياتي و هوت على أقرب كرسي بكل ثقلها و هي تردد مستحيل مستحيل".

و في قصة (موعد مع القدر) تأكد الكاتبة على قيمة العمل.."جدتي و هي في الثامنة عشر من عمرها عملت كي تقر أعين أطفالها .. و على ضوء المصباح الزيتي تشرع في عملها و تبقى على هذه الحالة حتى يمر شطرٌ كبير من الليل!!".

منال ... و الفتيات الخمس

و قصة الفتيات الخمس للكاتبة فاطمة محمد شعبان هي القصة المثالية.

فمنال طفلة نشيطة و مجتهدة و تؤدي واجباتها اليومية و تصلي الفرائض الخمس ، و لكنها تقصر في وقت صلاة واحدة و هي صلاة الفجر .. تتأخر عن موعدها .. و يكون جزاؤها أن تبتعد عنها الصلوات الخمس الممثلة في الفتيات الخمس .. و كانت الفتيات الخمس بأثواب جميلة زاهية و وجوه كفلقة القمر و منال تقترب منهن خطوة بخطوة.

اليد البيضاء و قصص تشخيص الأشياء

و للكاتبة قصص تحاول فيها تنطيق الجماد كالملابس و الأوراق و غيرها و مثال على ذالك قصة (خزانة سمية) فالملابس بداخل الخزانة بدأت في الخروج من سجنها و حوار جميل فيما بينها.

و يأتي عنوان القصة الثانية محاولة إنطاق الفراشة (قالت الفراشة) و الفراشة في القصة تقول و تقدم النصيحة لمريم الطفلة التي تحب أمها فتمد يدها لتقطف بعض الزهور.

و نصل إلى قصة (اليد البيضاء) و هي تحكي قصة طفل يعطي الآخرين بيده الكريمة و يحقق أمنية طفل يتيم.

القصة الرمزية

قصص الرمز و المعلومة تفتح آفاق الطفل تنوره على معالم بلاده .. العلم.. الحصون و غيرها.

قصص تحمل أهداف تربوية و قد صاغتها الكاتبة في أسلوب شيق و لغة سائغة للطفل في مرحلة مبكرة من عمره بدءاً من مرحلة رياض الأطفال.

و عناوين القصص تتشابه فيما بينها (علم بلادي - شعار بلادي - قلاع بلادي) و في قصة علم بلادي طرح لألوان العلم من خلال أشياء موجودة في بيئة الطفل و فيها الرمز و التشبيه فالحشائش خضراء و الوردة حمراء و اليمامة بيضاء .. ثم يكون هناك حوار و حديث و تأمل من الطفلة.

اللغة العربية في القصص

و تستخدم الكاتبة اللغة العربية الفصحى لتقوية اللغة عند الطفل في مواضع كثيرة ، و تكون هناك عبارات سهلة و مألوفة بالنسبة للطفل فنتأمل معاً في قصة (قلاع بلادي) أرادت الكاتبة أن تعبر عن أشياء البحر باستخدام اللغة الفصيحة القريبة إلى قاموس الطفل مثل كلمة "الجاروف-الطعانة-زيلة-الرفش" إلا أنها أشارت إلى المعنى اللغوي للكلمة في الهامش و هي "مغرفة-شوكة-سطل".

و تلجأ الكاتبة في بعض الأحيان إلى استخدام مقاطع شعرية أو أقوال مأثورة معتمدة في ذالك على التراث و توظيفه في شكل يألفه الطفل و في قصة بعنوان "لماذا صاح الديك" يعبر الديك في صياحه و يقول "قوموا يا نائمين و اشكروا الرحمان ، قوموا يا مؤمنين و اشكروا الدبان .. الليل راح و جاء الصباح" و في نهاية القصة يواصل الديك صياحه و يغني "غني معنا يا طيور .. رددي لحن البكور.. سيري بجدٍ و نشاط .. نحو العمل و العطاء .. اخلعي ثوب الكسل .. و ارتدي ثوب العمل" و لا تخلو القصص من تعبيرات بلغة الطفل كتعبير البكاء و الفرح "اهيء اهيء" ، "هيييييييي" و تميزت قصص الكاتبة بالتنوع اللغوي كما أنها تتميز بالتنوع في اختيار اللقطات و تنوع الأسلوب الذي يخاطب أكثر من مرحلة في عمر الطفل بدءاً من مرحلة رياض الأطفال إلى المراحل الابتدائية كذالك للكاتبة أسلوب يمتاز بجزالة في الألفاظ و قوة في التعبير و التشبيهات التي تخدم الموقف ، فمثلاً في قصة "خزانة سمية" للتعبير عن الحدث المسرحي الذي تقوم به الأقمشة في الغرفة تقول الكاتبة "ساد الغرفة هدوء .. و بعد لحظات انقلب الهدوء إلى جلبة كبيرة .. و بدأت القطع المزركشة في الخروج من سجنها".

و لنتأمل هذا التعبيرات في قصة (ماذا سيحدث في الغد ؟) "طرقت الباب بشدة و كأنها تضغط على مشاعرها" ، "امتعض وجه ياسمين قليلاً ، التفتت .. و هي شاردة اللب .. فرمقتها الأم بنظرة حنون .. شقت طريقها إلى حجرة المعلمات .. اتسعت حدقتا علياء" كلها أفعال تخدم الموقف و تقوي الدراما في العمل الأدبي و في قصة (عيدية يا عم) نلمح تطوراً في البناء السردي "انعطف نحو الشارع الرئيسي .. ابتلعته أحدى العمارات .. يمشي بمحاذاة البنايات المتراصة كأحجار الدومينو يدخل إلى واحدة و يخرج من الأخرى".

و في قصة (انزع جلدك) تصوير رائع "نظر إلي بعينين لامعتين كحبات الخرز" ، "فالوحدة نصل حاد يقطّع العروق .. نظرت إليه بنظرات بيضاء كقطع الثلج". هكذا نصل إلى نهاية هذه الدراسة التي نتمنى للكاتبة المزيد من العطاء في المستقبل القريب .

البريد الالكتروني    
×