غاب القمر ولمّا تشرق الشمي-قصه قصيره

فاطمة يوسف زبيب

عدد المشاهدات عدد القراء (543)
19/9/2011
...

غاب القمر..ولمَّا تشرق الشمس... رحلتي في يوم أصبح رمز للحزن..رحلتي،وأخذتي معكِ الجمال و الهدوء خلَّفتِ ورائكِ أباً سجين يتلوى ألما من خبر و فاتك ،وأماً ملأت الوحدة حياتها بعد فراقكِ،أباً يتمنى أن يسمع همسات طفولتكِ،وأماً أمسى الدمع سلواها الوحيد. حدث ذلك منذ سنين....ومع تفتح أولى زهرات الربيع،تفتحت وردتها،في نيسان . جنين لم يتعدى الشهور الخمس كنتِ،من هذا العمر ولا زلتِ تعيشين على أمل العودة،لطالما سمعتِ وأنت في بطن أمكِ،تخاطبكِ،وتكلمكِ عن والدكِ ألا تذكرين،ذلك اليوم الذي أُسِرَ فيه جواد،كيف أمضت فضيلة ليلتها،تبكي،تناجيكِ ،أن تلدي بسرعة كي تخففي عنها الحمل الثقيل الذي تحمله على كاهليها الصغيرين،تغذيتي على الألم والدمع ،فأمك كانت لا تزال عروسة جديدة ،فقدت سندها.بسرعة،وأصبحت ،تستيقظ وتبيت على أمل عودة جواد،وولادة طفلتها.وفي يوم ربيعي بهي،استيقظت الشمس،فرحة ،تبث أشعة أملها للناس،تدغدغ تقاسيم وجه فضيلة،التي أحست بأن هذا اليوم لم يكن كسابقه،ولن يكون كالذي سوف يأتي بعده،كان هذا النهار هو 3/4/1989،حيث مع زقزقة الطيور التي باغتها حفيف أوراق الشجر،وصوت هديل الحمام،يرافقه خرير ماء عذب اخترقت هذه السنفونية،صرخة حياة...صرخة ألم..صرخة حنين...!!هذه الصرخات كان مصدرها قرية السلطانية ، وهي إحدى القرى اللبنانية من قرى قضاء بنت جبيل في محافظة النبطية..وفي المقلب الآخر،حيث الليل والنهار واحد،حيث لا طعم للطعام،ولا رائحة غير العفن،في فلسطين،في واحدة من زنزانات معتقل "نفحة"كانت ساعات هذا النهار،غريبة على قلب "جواد"فقد شعر عند لحظة،بأن قلبه،يكاد يمزق أضلاعه،ويخترق صدره،ليخرج عنوة،ويطير إلى بلده،فقد زادت نبضات قلبه،وأخذ يلهث بشدة،شعر بشيء غريب...فرح.!!؟؟فرح..؟؟استفزازا للألم المحيط به بين جدران هذا المعتقل،أحس بأنه يشعر بالفرح،وفجأة.!انتبه لنفسه أنه تحت وطأة سوط الجلاد ،يفتح له جروح جديدة في بدنه،من دون أن يدري هذا المتوحش،أن جراحات قلبه أكثر،وأكبر ،وأعمق.فجراح الشوق للأحبة،صعب لا يحتمل،والتوق للحرية،أكثر صعوبة في الاندمال.كانت صرخة ولادة الطفلة الجميلة،مترافقة مع صرخات جراح أبيها، وصوت أنين الوحدة ،والوحشة،بين جدران يبعث الصقيع من جنباتها،صقيع الحنين.عد الأيام..الأسابيع..الأشهر..وانتفض..لا يمكن..!!لقد..لقد..وصرخ من شعور لا يسمى،عندما يولد طفله البكر،وهو ليس بجانبه،عندما يسمع المولود الجديد أول صوت في حياته،ولا يكون صوته ليؤذن له في أذنه،عندما يحتاج لحضن يؤيه ، لم يكن قلبه،وسالت دموع محرقة،على وجنتاه،دموع الشوق،لطفلة،علم أن طفله الأول كان فتاة ،ولفرط جمالها،سمتها فضيلة""جميلة"".كانت صرخات ولادتك يا جميلة مترافقة مع صرخات جراح أبيكِ. وتمر الأيام،وتطول الأشهر،وتمتد السنوات،والزمن والسجن، تآمرا على جواد ليبقياه بعيداً عن أحبته أكثر،لكن عزمه لم يضعف يوما،بل كان يقوى أكثر وأكثر،فهو يمني النفس بالحرية القريبة،ليحضن ابنته الصغيرة ، ليدغدغ وجهه بشعرها الأملس،ليؤنس قلبه بصوتها الرنان،بضحكاتها الصادحة ، آآآآه منك يا زمن. وكبرت جميلة،وأصبحت"صبية صغيرة " تحمل دفترا وقلما،ترسم عليه فتاة تمسك بيد والدها ،والبسمة أكبر منهما،عندما رأت فضيلة هذه الرسمة ،لم يكن باستطاعتها أن تتحمل أكثر،فحضنت طفلتها ،وبكت كثيرا،بكت لطفلتها،بكت لنفسها،بكت لآلام زوجها،وبكت هذا العدو الذي أخذ منها أغلى ما في دنياها. وعلى الصفحة الأخرى من الدفتر،تكتب بضع أحرف اصطفت في الرسالة الذاهبة إلى داخل الظلام،لتنير بدفئها ليالي جواد، هجأت الأم الأحرف لابنتها،مشجعة إياها على الكتابة ، فإن والدها سوف يفرح بخطها الجميل،وكتبت"أحبك بابا"وكم كان لهذه الرسالة من أثر كبير في نفس جواد،كم قبلها ،كم حضنها،كم...وكم....ووضعها تحت وسادته،ليحلم بطفلته،ليحلم نفسه عند الباب،بعد العودة من الأسر،ينظر إليها،يركض لعندها،يحضنها،يقبلها،يشم ريحها. وفي يوم أتت جميلة إلى المنزل تبكي بحرقة،فجعت فضيلة منظر ابنتها ،وحيدتها،"من آذاكي يا ابنتي،قولي لي من فعل بك هذا حتى أنتقم منه"لكن الفتاة وببرائتها الطفولية"حقا يا ماما،سوف تضربين من فعل بي هذا""مؤكد صغيرتي"وهي تمسح دموعها ،وتمسح على شعرها،"،أنتِ فقط قولي لي من فعل بك هذا وسوف ترين"وبعفوية طفلة تعيش على الحلم"إنه العدو الإسرائيلي من فعل بي هذا،لقد أخذ أبي مني يا ماما ،لما يا ماما،لما لا أحصل على هدية عيد ميلادي من والدي كما كل صديقاتي،لما لا أطفئ شمعات عيد ميلادي التي يشعلها لي بابا،لما لا أحصل على حق النوم بين أحضانه،يهدهدني ،وأغفوا على قبلاته المحببة"حضنتها فضيلة،تقبل رأسها الصغير،تمسح وجنتاها،وتقول لها،"لا تحزني يا جميلة،إن أباكِ سوف يحزن إن علم أنكِ تبكين ، تعالي معي لندعو الله كي يعيده إلينا قريبا"وأخذتها إلى الغرفة ،واستلقتا على السرير ،ومن أسفل الوسادة،أخرجت جميلة،بيدين مرتجفتين صورة والدها،التي لم تكن تنام إلا أن تطمأن عليها،وتحدثها ،ثم تغفوا على أمل اللقاء،وغفت جميلة في تلك الليلة،والدمع يجري على وجنتيها،يبلل وسادتها،يحفر اسم والدها على وجنتيها،يحوك سيرة مقاوم بين جدران باردة،لا ترحم أبوته. على دفتر يومياتها،كانت تكتب له الرسائل التي لا يسعها أن ترسلها إليه،كانت تكتبها بقلمها الجريح الذي ينزف اشتياقا ،وبقلبها الرقيق الذي ما برح ينشد اللقاء.في يوم كتبت على دفترها كلمات علمت أنها لن تصل إليه،لكنها تخفف من حرارة الفراق: أبي الغالي...أبي،يا حلمي الآتي..على جناح حمامي...يحمل رسائلي،تلك الكلمات التي أتمنى أن تصل لقلبك الحنون،لكم تدمع عيناي و أنا أرى صديقاتي يقلن "بــــابـــــا"و يركضن و يرتمين في أحضان أبائهن و يشرعن بتقبيلهم ،وأنا محرومة حتى من نطق هذه الكلمة.كنت أشعر بحرارة الدمع تكوي وجنتاي و تلهب أجفاني المحمرة،لقد ولدت وأنا محظور علي أن أقول أبي،محرومة من سماع صوت أبي الحنون من أن أسمع ترنيمة دفئه صباحا ومساءا .

إنه العدو الإسرائيلي إنه حقد العدو،قد محا كلمة بابا من على شفتاي قبل أن تنطقاها.إلا أن قلمي سيبقى أبدا ينطق باسمك أبي...ولو كان الجواب هو الصدى فأنا سأعيدها حتى يمل الصدى مني و أعود اسمع صوتك حتى تبرق عيناي لرؤياك وينتفض قلبي لهمسك الحنون." لا تملك إلا أن تخط له الوجدان حُروفَ الشوق و الحنين !وتُخبرُه عن ألم الانتظار .. كيف احتَمَلَ قلبُكِ الصغير أن يصمد أمام عصف الكلمات،والمشاعر المحرومة..؟؟كيف كان قلبك ينبض وأنت تخطين بحبر قلمك الجريح نزف رسائلك المشتاقة..؟!!! وفي يوم،كان الأقسى على قلب فضيلة،أخبرها الأطباء أن الطب،أصبح عاجزاً عن فعل أي شيء لطفلتها،أجل...فجميلة،أصيبت "ب الفشل الكلوي". صُدِمت والدتها بأن هذه الصغيرة سوف تكون أسيرة الألم والمعاناة و العلاج ؛كانت جميلة،تلك الطفلة البهية،تبكي من الألم،فجسدها،لا يحتمل أن تتعرض باستمرار لغسيل الكلى،لكنها كانت دائما ما تقول لوالدتها"ماما إن عاد بابا ،فأنا لن أشعر بالألم أبدا،أعدك"ما كان على فضيلة أن تفعل،وهي ترى فتاتها تذوي أمامها،ولا يمكنها أن تفعل أي شيء، بدأت تذبل و صار يعتريها الشحوب !!إلى أن تمكن منها المرض و أعلن الطب عن عجزه و استسلامه للمرض ؛.و مع توالي الأيام كانت حال جميلة تزداد سوءا ً والأب الغائب الصبور يتابع وضع ابنته لحظة بلحظة يحدّثها يهدّئ من روعها ينسيها ألمها . وفي الأشهر الأخيرة من عمرها دخلت المشفى أكثر من مرة ولفترات طويلة ولكن ... في ذلك الفجر الحزين, وبعد أدائها لصلاة الصبح أخبرت جميلة والدتها أن وجعا مؤلما ينتابها لم تعهده من قبل . وما هي الا لحظات حتى فاضت روحها الى بارئها تحملها الملائكة على أجنحتها الالهية لتودعها في جنان الخلد. .و بعد سنوات من الألم تمكن مِنها المرض و أرداها شهيدة فما أقسى هذا الزمن ..ولِدت .. و عاشت و كبرت .. و مرضت .. و توفت ... بعيدةٌ عن والدها لم تهنئ بحضنة مِنه ..لم ترتوي بتقبيله !انتقلت إلى جوار ربها في يوم السبت .. 19-10-2002 رُغم كل هذه المُعاناةِ و الآلآم .. إلا إنها لم تكن إلا كَما أراد والدها ..لم تكن إلا تلكَ المتجلدة بالصبر؛ومتسلحةٌ بالشكرِ.وهكذا،استشهدت جميلة،عن عمر وردي،يحمل 14 ورقة،جميعها تساقطت قبل عودة الأب يرويها حبه وحنانه. "الله أعطانا والله أخذ أمانته " بتلك الكلمات نعتها الوالدة وأتى صوتها ضعيفا عبر أسلاك الهاتف من بيروت الى السجون الاسرائيلية في فلسطين المحتلة . ماتت جميلة قبل أن يعرفها والدها , ماتت وهي تحلم بلقائه . آه من ألم فراقك يا جميلة الجميلات،أدمت قصتك الأليمة قلوب المئات،وحتى الذين لم يعرفوكِ لكنهم سمعوا سيرة حياتك،كنتِ لا تزالين وردة جديدة العهد،تتلقين دفء الشمس من أمك الحنون،فكبرتِ لكنكِ افتقدتِ من يسقيكِ الحنان الأبوي،وكنت تنمين تتغذين الدفء الأمومي وتتعطشين لدفء أبيكِ. كان عودك يطول،وهو ضعيف،إلى أن وصلت إلى الوقت الذي أعجزك فيه الوقوف،وتعبت من الصمود،فانهارت أحلام اللقاء الأول،وتهدم صرح ثباتك الجميل،وانتظارك الطويل،غادرتي قبل أن تتزودي بماء البقاء ،رحلتي قبل أن تتزودي من حنان والدكِ،فرحلتي عطشى،أصابك سهم المنية ،في كليتيكِ اللتين هدهما الصبر والصمود،وعلى الرغم من هذا،كنتِ تقوين عزمك على الثبات،حتى ترسوا سفنك آمنة يوم اللقاء،بيد أن الشطآن كانت جدّ بعيدة،وقبل الوصول ثارت البحار هاجت،وتحطمت سفنك في عرضه ،وغرقت الأحلام،والأماني الوردية،وهي بعدُ لم تصل لشاطئ الأمان،وشهد عمقه على موت و تكسر أحلامكِ البريئة،التي لم تحوي أكثر من لحظة لقاء،غير همسة حنان،غير لمسة ناعمة،كلمة رقيقة،قبلة شافية،ابتسامة وادعة،تعيد لجسدك المرهق الحيوية والنشاط. في ليلة اللقاء الأول ناداها يا حلمي المعود قد عدت فلا ترحل هلمي إلى الأحضان آويكِ..... وفي قلبي أخفيك.... ومن غدر الزمان أحميك يا بنفسجة أزهرت ،في بداية الربيع وأينعت، و حزمت أمتعة الرحيل ثم امتطت جواد المنية ،و انطلقت إلى غير رجعة يا جميلة عمري ،هيا يا ابنتي إلى قلبي اندفعي وفي صدري المشتاق اغمري راسك ودغدغيني بشعرك الأملس يا عصفورة الجنة التي كانت مستعجلة على الرحيل الم يكن بإمكانك الانتظار هنيئة لربما عدت ووفقت باحتضان بسمتك يا ملاكي الوردي. من خلف قضباني وآهاتي وأحزاني من صرخة الأوجاع في أعماقي إنساني.

 بنيتي لما كتب علينا الفراق قبل أن يكتب لنا اللقاء من قلبي النابض بحبك المتقد بشوقك كتبت أشواقي بفيض دمعي كتبت رسائلي وبوجع آلامي راسلتك .*فليت الأسر يرحمني فآتيك* يا جميلة الجميلات رسمت صورتك في قلبي قبل عقلي لأن روحي تهيم معك أينما كنت تحميك من المخاطر*لأن طالت بنا الغربة*فسأطير بروحي إليك لكن أرى أنك كنت أسرع مني فحملت روحك تؤنسني في وحدتي ظلمة سجني من نور وجهك الوضاء وبراءة قلبك الصغير أنرت الطريق التي سرتها إلى ثراك يوم حرية جسدي أتيت لسجن روحي فأنت ذهبتي ومعك أخذتي روحي فبت جسد بلا روح أعيش مع الأحياء على أمل اللقاء الذي لن يكون إلا هناك بعين الله غاليتي الحبيبة مالي أبصر لمعان الدموع من بين أسطر كلماتك مالي أقرأ الحزن في كلماتك،لا تحزني،إن اللقاء لقريب. كان جواد متأكّدا أن جميلة لن تفوّت لحظة لقاء أبيها الذي عاد ... ولكن متأخرا.. ويوم عاد جواد..لم تكن تقف عند الباب فاتحة له حضنها ،كما تخيلها أن تفعل،كما رسم في ذاكرته منذ اليوم الأول لولادتها،وأمل اللقاء،بل عاد وأول ما ذهب إليه،قبرها،هناك،ذرف جميع دمع الشوق،لطفلة قرأ همس كلماتها في رسائلها إليه ، وتبقى القلوب تهتف بشوق"لن تموت جميلة،طالما هناك قلب ينبض بذكرها،طالما هناك عيون تبكي ذكراها،طالما هناك من يكتب سيرتها." ..‏14‏/05‏/2010‏

فاطمة يوسف زبيب 18 سنة لبنان