الفضيلة عذراء أبداً-مقالة

جمانة عبد الرسول

عدد المشاهدات عدد القراء (875)
17/12/2008

 

 

 

الفضيلة عذراء أبداً
 جمانة عبد الرسول

 

آمنة قصة جاءتنا من أرض العراق، من جرح الكرامة المهدورة ، جاءت تعزف لحن العذارى المنسيات، قصتنا ليست من نسج الخيال بل هي منتزعة دون شك من صميم الحقيقة ومن شفاه الشهود ،هي قصة حقيقية أغرب من الخيال يصعب تصديقها لولا كثرة الشهود .

أحداث الرواية يصعب حصرها في بضع صفحات متواضعة حيث أن الحروف تنحني إجلالا أمام عظمة هذه المخلوقة وروعتها .

 

بطلة رواية " الفضيلة عذراء أبداً " هي أمنة فتاة في عمر الربيع، أمنت واتخذت من الإسلام الواعي منهجاً، وارتوت من معين نسائه الفاضلات فضيلة الزهراء(ع) بنت الحبيب المصطفى(ص) وتتلمذت في مدرسة الكرامة على يد البطولة والفداء.. هي فراشة تبحث عن النور في زمن الظلام.. هي رمز من رموز الجهاد النسوي في عراق بنت الهدى.

 

كانت آمنة إحدى تلميذات كلية الطب في جامعة العراق ترعرعت في بيت أحب أهل بيت النبوة وأخلص لهم .. فتاة واعية ومخلصة وملتزمة بدينها

عاشت آمنة في ظل نظام البعث الهمجي وعاصرت الحرب العراقية الإيرانية

كثيرا ما كانت تدور بينها وبين صديقتها وداد ( والتي هي قريبتها كذلك ) الحوارات حول شتى المواضيع فكانت وداد كثيرا ما تدعوها لان تنفتح على الدنيا وأن تتخلى عن رجعيتها بحسب قولها ،ولكن آمنة كانت دوما ترد على وداد بالمنطق والحجة، فتقنعها بماهية المنهج الاسلامي وبأصل وحقيقة العديد من المفاهيم التي تشوهت كالحب والتضحية وتنصحها بالعودة الى الدين الذي هو سبيل النجاة ، وكانت جميع الحوارات التي تدور بينهما تكون نتيجتها بأن تؤثر آمنة ولو بجزء بسيط على فكر وداد وعلى تفكيرها ، كانتا في حوراهما تتطرقان لمختلف المواضيع ولا تقتصران على الدين فتزيد آمنة وداد فهما في أمور الحياة السياسية والاجتماعية وكذلك الدينية فتروى آمنة في وداد بذور خير يمكن أن تنمو في يومِ من الأيام ..

في إحدى الأيام وكعادتهما كانتا  تتجاذبان أطراف الحديث طلبت وداد من أمنة أن تتنازل عن لباسها الشرعي.! وأن تتخلى عن نشاطاتها الدينية التي كانت تمارسها !

لا لشيء ولكنها كانت تعلم بأن مصير آمنة هو الهلاك لا محالة حيث أن مكتب الاتحاد في الكلية منزعجون من لباسها ومن ما تقوم به وقد أوكلوا وداد مسؤولية مراقبة " الفتاة المتطرفة " كما وصفوها حيث أن وداد قد انتمت إلى حزب البعث خوفا على حياتها.

لم تنجح وداد في إقناع آمنة وأكملت آمنة ما كانت تقوم به فكانت تدير الحوارات في الكلية وقد استطاعت أن تسلب قلوب الفتيات وعقولهن وبالتالي هدايتهن إلى سبيل الرشاد .. إلى أن جاء ذلك اليوم الذي أخذت فيه إلى مكتب الاتحاد بتهمة أنها تروج فكر الخميني وتنتمي إلى حزب الله إضافة إلى تهمة ارتدائها الزي الشرعي وهو الحجاب !

وكعادتها هي قلبت الموازين وأدارت هي دفة الحوار وكانت كالجبل الشامخ تجيب عن كل سؤال يطرح بثقة وطمأنينة حتى ذاق الموجودون ذرعاً ورأوا أن لا سبيل لإقناعها فأخذوها إلى حيث يؤخذ كل مخلص لدينه .

ذاقت أمنة مرارات التعذيب في سجون العراق .. وحاولوا استمالتها بشتى الوسائل بالطيب أولا وعقد المساومة ثم بالتهديد والوعيد أخيرا بالتعذيب الشديد .. وقد أوكلوا أمر تعذيبها إلى أشد الرجال قسوة هناك إلى درجة إنهم قد أطلقوا عليه "شمر بن ذي الجوشن " هذا الرجل لا تعرف الرحمة سبيلا إلى قلبه ولا ينتمي إلى الإنسانية بأية صلة ولم يكن يعترف بغير الشيطان إلها. وكان يفخر لذلك ويكن لذاك الشيطان كل الفضل والامتنان، إلا أن آمنة كانت ترى الله هو كل شيء فما مالت ولا تراجعت حتى بعد أن عرض عليها بأن يخفف عنها العذاب إذا ما منحته نفسها كونها عذراء .!!

 

ذاقت أمنة أشد أنواع التعذيب الجسدي والنفسي ،من أغلظ البشر على الإطلاق ،ولكنها صبرت واحتسبت ولم يرد على لسانها طوال تلك الفترة سوى حمد الله وشكره والثناء عليه ، عذبت عذابا لا يتحمله الرجال فما بالها هي الفتاة الرقيق عودها ، انتزع منها شرفها حيث كانت تعذب حتى تسقط مغشيا عليها وحينها يفعل ذلك الشيطان ما يملي عليه إبليسه الأكبر .

 

كانت آمنة مثالا رائعاً للصمود ، لدرجة أن جعلت ذلك السجان يشعر باليأس والفشل في الحصول على أية معلومة منها قد تفيده ،وكانت آمنة في تلك الفترة قد وصل جسدها وصحتها إلى حالة يرثى لها لدرجة أن ظن ذلك المعتوه بأنها قد فارقت الحياة فما كان منه إلا أن أخذ جسدها الطاهر بيديه القذرتين ورماها بين أكداس القمامة.

 

لم يكن يؤلم آمنة في كل تلك اللحظات سوى بعدها عن والدها، وإخوتها فهي قد كانت السند له والقريبة إلى قلبه بعد أن قتل رجال البعث إخوانها وأمها ولكن يبدو أن مصيرها هو اللحاق بركب إخوتها .

 

لم يشأ الله وهو البصير بكل ما جرى أن يبقى هذا الجسد الطاهر بين أكداس القمامة فأرسل بحكمته رجلا صالحا كان يرعى الغنم بمقربة من ذاك المكان ولمح الرجل جسد آمنة بين أكداس القمامة فأسرع إليها وحاول إيقاظها ،استيقظت أمنة من إغمائها ولكنها لم تستطع الحراك لأنها قد أصيبت بشلل كامل وفقدان البصر ..

 

 بكى الرجل لحال آمنة وحملها لمنزله، وأخبر زوجته بما جرى وبما دار بينه وبين آمنة من حوار،الذي تحدثت فيه أمنة ببالغ الصعوبة .. طلبت آمنة من الرجل بأن يذهب إلى منزل والدها ويبحث عنه ويحضره إليها، فأسرع الرجل على الفور وتوجه إلى حيث أشارت آمنة ولكنها وفي تلك اللحظات أحست بأنها ستفارق الحياة لا محالة، فأوصت ابنة الرجل بأن تغسلها وتدفنها في مكان تختاره هي لها، ولم تمضِ ثوان على ذلك حتى فارقت روحها الحياة ورحلت إلى الملكوت الأعلى.

 

 غُسل ذلك الجسد الطاهر ودفن في ظلمات الليل في مكان اختارته الفتاة وكان ذلك المكان عبارة عن تلة مرتفعه لا يصل إليها الماء ، وتظلل المكان شجرة السدر .. هناك رقدت أمنة .. أسدلت جفنها بعد أن قدمت كل ما يملكه الإنسان .. صحيح إنهم استطاعوا من تشويه جسدها ولكنهم عجزوا عن تلويث روحها بأياديهم القذرة فكانت هي الفضيلة التي بقيت عذراء أبدا ...

الفضيلة عذراء أبداً...

رواية من واقع العراق الجريح

للكاتب /علي الأنصاري

القراءة والتلخيص جمانة عبد الرسول