زيارة قصيرة-قصه قصيره

ابن الهدى

عدد المشاهدات عدد القراء (625)
10/3/2008

 

زيارة قصيرة

 

 إنه الظلام .. ظلام دامس ممتد إلى ما لا نهاية ..

 شعور غريب هو أن تعرف أو لا تعرف ما يحيط بك .. أين أنــا .. لا جواب ..

فجأة رأى كل شيء .. كمصباح أَضاء المكان بنور برتقالي قوي مائل إلى الحمرة كأنه الشفق قبيل الغروب .. إلا أن الشاعرية في هذا الأخير لم تكن لا من قريب ذات شبه ولو مجازي بهذا المنظر الذي أمامه.. ها هو يقوم بعد أن ظن أن الظلام سيلفه إلى الأبد .. يقوم دون أن يجرؤ على النظر إلى موطىء قدميه ليس لأنه واثق أنه يقف على أرضية صالحة للسير بل لأن ما رآه أمامه جعل كل كيانه متوجه إلى هناك .. إلى منظر الجبال التي ليست بجبال .. إلى الوديان التي ليست بوديان .. إلى البناء الذي ليس ببناء. لابد أن المرء يتساءل في نفسه أي منظر خلاب هذا الذي يعجز الكاتب عن وصفه .. أي مشهد استثنائي هو هذا الذي يخجل القلم عن بيانه .. أنه مشهد استثنائي بالفعل ولكن الفرق هو أنه ليس خلاباً بل لاهباً بل مستعراً وإلى أقصى الحدود .. فالجبال تزأر بما فيها من حمم بل الجبل نفسه بركان تتفجر منه النيران من كل جانب حتى يخيل للناظر إليه أنه كومة من اللهب والنيران تتخبط حول نفسها .. أما الوادي فكان مختلفاً عن أي واد شاهده في حياته..!

 لكني لا أستطيع أن أسميه إلا بهذا الإسم .. إننا نسمي الأِشياء بمسمياتها حتى ولو كنا غير مصدقين.. الحمم تتساقط من أعلى الوادي إلى أبعد نقطة استطاع أن ينظر إليها .. إلى أعمق أعماق الأرض .. الأرض !! .. لا .. مستحيل أن تكون هذه هي هذا الكوكب الجميل المليء بالدفء والصفاء .. إن ما يراه تخجل الشمس من أن تصف نفسها به .. أما المباني .. آآه .. لا يعرف بأي معجزة هي راسية مع كل ما يشوبها من تشويه وتخريب ودمار ، بل إنه يكاد يقسم أنه يرى غرفاً وصالات داخل هذه البنايات متماسكة دون أن تسقط .. إن اللهب الشديد الذي كون كتلة حارة هي لب هذا المبنى وهيعلى الأرجح – لبنته الأساسية التي تجعله واقفاً شامخاً صامداً مع هذا التنور الذي يشتعل به ..

هنا تذكر شيئاً مهماً فنظر إلى نفسه .. إلى يديه .. إلى قدميه .. رآها كما هي دون نقص أو زيادة بل أنه رأى جسده كما عرفه دائماً .. البذلة الأنيقة .. الجسم الرشيق الذي طالما نظر إليه في المرآة .. والذي لطالما افتخر به بخيلاء .. إلا أن نظرته لم تكن نظرة عاشق ولهان .. بل نظرة حيرى .. نظرة خرساء .. كيف لجسده أن يبقى كما هو وسط هذا السعير الذي يثور دون توقف .. بل إنه يقف على أرض تتصدع دون أن يشعر بأي شيء يتهاوى من تحته .. حدق النظر في حذائه الأسود الذي ابتاعه منذ عامين فرأى شيئاً غريباً .. لا ليس الحذاء بل هو ما أسفل الحذاء .. هل هو يتوهم أم أن هناك أشخاصاً بالأسفل ينظرون إليه

إذن ليس هذا الذي يراه أمامه هو كل شيء بل يبدو أن هناك ما هو تحته وربما فوقه .. فوقه !!!

 صحيح فهو لم يرفع رأسه إلى السماء منذ أن أبصر هذا الرعب .. إنه هذا الشعور الذي يجعل المرء يتفحص ما حوله ببطء مخيف ، ويحتاج إلى دقائق حتى يصف ما هو أمامه وساعات حتى يصف ما خلفه وربما أيام حتى يفهم ما يحدث .. الحقيقة أنها لم تكن سماء .. نعم هي في الأعلى إلا أنها أبعد ما تكون عن زرقة السماء الجميلة التي تظله دائماً بجمالها الأخاذ وروعتها الباهرة وصفائها الرقيق .. لم تكن هذه إلا الطبقة العليا ، بالفعل هي طبقة معلقة في الأعلى ، هل هذا معقول . ولم لا إن كل ما يحيط به لا يدل على وجود أي منطق للعقل أو العقلاء. إذن هو يقف في ( مكان مـا ) هذا المكان يحوي طبقات عدة .. فماذا تحوي الطبقة السفلية وماذا تحوي العليا .. هل يتحرك .. هل يسير .. إنه يخشى ذلك فهو لا يعلم أبداً هل ستكون خطوته هي الأولى أم الأخيرة لكنه أيضاً ينظر إلى الجبل أمامه – الذي ليس بجبل – يتقدم نحوه كاشفاً عن حممه ونيرانه .. فليتحرك إذن وليكن الله في عونه. يا له من شعور غريب عندما يتحرك دون أن يغرق بالحمم التي حوله أو حتى أن يحترق باللهب الذي يشتعل من كل جهة أو حتى أن يحس بالحرارة التي تهب عليه من كل جانب .. غريب فعلاً كل هذا وكأنه يعيش واقعاً هو ليس فرداً فيه .. ها قد بدأ بالسير إلى لا مكان دون أن يعرف إلى أين يذهب لكنه اختار أن يجتاز الطرق التي تخلو من أي هول يطفو عليها وإن كان كل ما يحيط به هو أهوال لا تتوقف لكنه توقف فجأة حين لمح أشخاصاً حوله اعترته الدهشة تماماً فقد ظن أنه الوحيد الذي يمكنه أن يحيى في هذا المكان ولعله لم يكن مخطئاً حين اقترب من أحد هؤلاء .. هو إنسان عرف ذلك من يديه وقدميه ورأسه .. رأٍس !!

 وقف لحظة عند هذه الكلمة .. إن لديه رأساً بالفعل ولكنه يذوب .. يذوب حتى يخيل للناظر أنه قطعة من الشمع ستنتهي بعد لحظات كشموع الأعياد .. وقف مشدوها لرهبة الموقف وبدأ يتحسس جسده لعله أيضاً يمر بنفس الحالة الرهيبة التي يراها أمامه .. إلا أنه( تنفس ) الصعداء عندما أحس بكامل جوارحه سليمة دون أي خلل فيها ..

تنفس فعلاً لأنه أحس بالهواء على الرغم من سخونته يقتحم رئتيه وينعش صدره ويجعل قلبه يكمل عمله الدؤوب ..

 ثم تذكر أنه نسي الواقف أمامه فرفع ناظره مرة أخرى و ... وشهق بشدة ليخرج كل الهواء الحار الذي أحرق شرايينه .. لم يكن هذا الفعل نابعاً من النمط الذي اعتاده في حياته عندما كان يجذب نفساً عميقاً ويخرجه ليشعر بالراحة بل كان هذا ردة فعل لما رآه ..

 فالشخص الواقف أمامه قد ذاب كلياً .. يداه .. قدماه .. ورأسه .. زالت كل ملامحه التي كانت قبل قليل في بركة من الحمم الساخنة التي كان يحاول السير عليها ..!

 يا للبائس، لقد كانت ميتة شنيعة لم يرها في حياته كلها ، أما الآن فقد حان وقت إكمال المسير للإبتعاد عن هذا المكان الرهيب إلى مكان أقل ( رهبة ) لو كان هذا متاحاً ..!

 ولكن.. ما هذا الذي يراه .. لقد .. لقد قام .. لقد وقف .. وقف مرة أخرى .. الشخص الذي ذاب أمامه قبل لحظات ها هو يقف مرة أخرى كأنه ولد من جديد .. كل معالم جسمه واضحة أمام ناظريه .. هنا فقط أصبح وجهه معروفاً .. لقد عرف من هذا الذي يقف أمامه .. ولأول مرة حاول أن يتكلم إلا أن لسانه انعقد عندما شاهد أنه قد كبر حجماً .. لم يكن هذا يدعو للخوف أو الرعب بل للدهشة لأن ما زاد في حجم هذا الشخص هو ليس لحماً بل هي تلك الحمم التي ذاب بها قبل قليل والتي دخلت في تكوين جسمه فأصبحت ممزوجة مع لحمه وعظمه .. لم يصدق ما رآه .. أصبحت الكلمات التي أراد أن ينطق بها أٍسيرة لسانه ليس لهذا الهول بل للهول الذي بدأ الآن حيث بدا الواقف أمامه يحترق مرة أخرى ويذوب ثم يخرج تارة أخرى وقد ازداد حجماً عن ذي قبل .. إن هذا مخيف بكل المقاييس ، هنا تحررت الكلمات أخيراً من لسانه .. شش !! ش ش ش ا ا ر ر و و ن ن .. رروون .. شارون .. شارون .. أنت آرييل شارون !! ..

هنا التفت هذا المنبوذ إليه بدهشة مخيفة وبدا وكأنه يهمهم بكلمات لم يسمعها بوضوح ، ليس بسبب أنها خافتة بل لأن شفتي شارون لا تلبث أن تطبق حتى تلتصق ببعضها البعض لتصبح قطعة واحدة غير معروفة المعالم .

 إن هذا فعلاً آرييل شارون بلحمه وشحمه الذي لا يزال يذوب ويذوب مرة أخرى، هنا تراجع وأخذ يكمل طريقه ويلتقي بأشخاص آخرين ، إلا أنهم لا يلقون نفس العقاب ، بل تختلف طرق تعذيبهم ،.فشخص يهوي من حالق فيتحطم ويتهشم إلى قطع صغيرة لا تلبث أن تذوب وتختفي وسط هذا الجحيم وبعد ثوان يسقط نفس الشخص وتعاد الكرة شخص آخر يغرق وسط سيوف حارقة فتسحقه بقوة هائلة كأنها خلاط حديدي فلا يبقى منه إلا جلده الذي يلتصق بالقاع فيتكون مرة أخرى ويتمزق ..

شخص آخر يجري بسرعة بينما هناك من يلحق به .. ليسوا بشراً بل كلاباً شرسة بشعة المنظر رهيبة الخلقة تطارد هذا الذي يحاول عبثاً أن يهرب منها فيتعثر ويسقط لتسقط معه عيناه من محجريها و .. وها هي الكلاب تصل إليه ، تنقض عليه ، تمزق كل ما يمكن لأسنانها ومخالبها أن تظفر به، من لحمه وعظمه، ها هي تجهز على ما كان يسمى قبل قليل بإنسان فلا تبقي منه شيئأً ، وهاهي هي الآن تفرغ ما أكلته لتوها خمسة كلاب تخرج ما في أمعائها على الأرض ليتكون نفس الإنسان مرة أخرى ، ها هو يكتمل من جديد فينظر برعب إلى الكلاب ويصرخ صرخة مدوية ويهرب فتنظر إليه هذه الوحوش في جشع لثوان ثم تبدأ مطاردتها مرة أخرى لتظفر بنفس الصيد. لم يعد يحتمل ما يراه فأخذ يجري بدوره ليصل إلى ما بدا له أنه سلالم .. نعم سلالم مخيفة المنظر تتجه إلى الأسفل .. الأسفل !! ..

إن عقلية الإنسان كانت وما تزال تحب الإرتقاء، وتخاف دائماً من النزول، لأنه يمثل لها الجحيم ..!

 إلا أن مزاجه لم يكن يريد الرقي إلى العلى بل لا يريد الصعود أبداً..! هو فقط يريد الخروج من هذا المكان الرهيب بأية طريقة ومن أي مكان، فلينزل إذن وليرى ما ينتظره هناك.

 أهي دقائق أم ثوان ، لا يعلم  لكنه كان قد صعد بسرعة إلى الطبقة التي كان بها وهو يتعثر ويصرخ ، إن ما شاهده في الأسفل هو الهول مجسداً في أشد صوره ، ها هو يتكئ على أقرب شيء بجواره ليفرغ كل ما في جوفه وهو لا يعلم ما هو بالتحديد ، مستحيل ..!!

 لا يمكنه تصديق ما رآه هناك ، فهذا يتجاوز حتى ما تخيله عن الجحيم 

إنه الرعب الذي لا يوصف ..! بل هو أشد من ذلك وأكثر بشاعة وهولاً ..! كل ما استطاع أن يتذكره هي أجساد من البشر .. أجساد هائلة .. متداخلة في بعضها البعض حتى شعر وكأنه بحر من الأجساد الهائجة تتصارع فيما بينها، بالفعل إنها تتقاتل مع بعضها كأنها وحوش مسعورة .

 كانت الرائحة نتنةً بل أشد نتانة من أي شيء شمه في حياته .. كانت الأجساد تمزق بعضها البعض بشكل سريع ومخيف جداً حتى لا يستطيع أن يميز بين أصحابها .. إلا أنه تعرف على بعض الوجوه ولكن .. أين رآها ؟!!

 أين كان ذلك !! .. لم يكن لديه وقت للتفكير لأنه غادر المكان بسرعة. هذه المرة لم تتحمل قدماه ترف الوقوف فجلس على الأرض التي هي ليست بأرض ليأخذ  قسطاً من الراحة الراحة، لا بد من أن ينتهي هذا كله أو ينتهي هو .. لكنه لم يشأ أن يموت في هذا السعير بين كل هؤلاء المنبوذين فليقم وليجد السير إلى أي مكان آخر .. سار بخطى ثقيلة وهو ينظر إلى ما حوله بينما لفحات ساخنة تضرب وجهه ، فرفع ياقة بذلته ليقي وجهه بعضاً منها وهنا .. هنا وجد سلما يقود للأعلى .. مخرج !! ترى هل يكون مخرجاً .. شعر ببعض الراحة لوجوده فقد ذكره المنظر بمخارج الطوارئ التي اعتاد رؤيتها دائماً في حياته وتمنى فعلاً أن يكون كذلك .. فلا توجد حالة طارئة أشد هولاً من التي يعيشها الآن .. ها هو يرتقي السلم .. ويرتقي .. ويصعد ..

 غريب .. إن الطريق طويلة جداً .. بدا وكأنه سيصعد إلى مالا نهاية .. ثم فجأة وصل .. نعم لقد وصل إلى الطبقة العليا على ما يبدو .. هنا رأى شيئاً آخر .. شيئاً غير الذي شاهده من أهوال .. لم يكن جميلاً ولكنه كان أقل رعباً وهولاً مما رآه في الطبقتين الأخريين. ما أمامه مدينة تشبه معالمها معالم المدن التي يعرفها إلا أنها تتموج بين تيارات هائلة من الريح الساخنة القوية .. لا براكين .. لا وديان .. لا حمم .. فقط مدينة بكل ما فيها من شوارع ومركبات وحتى محال .. غريب هذا .. هكذا كانت دهشته وهو يتطلع إلى كل هذا وتمنى في قرارة نفسه لو أنه صعد إلى هذا المكان قبل أن يفكر في النزول ففكرة الإرتقاء تطبق هنا أيضاً على ما يبدو.. هنا أجفل قليلاً حين شعر بشيء خلفه فالتفت ليطالعه مخلوق يراه لأول مرة .. هو ليس بإنسان لأنه يسير على أربع وليس بحيوان لأن الأخير أرق من هذا الذي يراه أمامه .. كان له رأس ولكنه مشقوق من النصف .. أجل مشقوق وكأنه قطع بسكين حاد من الأذنين .. كان المنظر مخيفاً بشكل جعله يرتجف بشدة .. لم ير أبداً هذا المشهد من قبل ولم يكن يتخيله .. والمثير للرعب أكثر هو أن محجري العين وما يفترض أنه مكان الأنف يتحركان بشكل يوحي بعملهما .. بل أن الأخير يتقلص كما نفعل بأنوفنا عندما نشتم رائحة ما عدا أن الفرق في الشكل فقط ها هو يقترب .. ويقترب .. وهو لا يزال واقفاً دون حراك وقد صعقه المشهد حتى دنا منه الشيء فأصبح قيد خطوات منه  - ماذا تفعل هنا أيها الغريب ؟!! إنه يتكلم !! .. هذا الكائن المرعب يتحدث إليه و بنفس لغته وبصوت رخيم عميق كأنه قادم من أعماق سحيقة! !

كان هذا هو الرد الوحيد الذي يملكه - هذا ليس مكانك أيها الغريب هنا وجدت الكلمات إلى لسانه سبيلاً

- م م م ن ن ن أ أ أ ن ن ت ت يحروف مرتجفة وصوت مرتعش خرجت هذه العبارة البليغة وبدت كأنها تذوب وسط نظرات هذا المخلوق الرهيب الذي رد قائلاً:

- أنا شيطان هذا المكــان - ش ش ش ي ي يط ط ط ا ا ا ن ن ! ! - أجل أنا ورجالي - ر ر جا ا ا لك ! !

هنا فقط انتبه فيما حوله برعب ليفاجئ بوجود أعداد لا بأس بها من هذه المخلوقات .. إنهم بدورهم يقتربون منه .. يشمون رائحته ثم يرفعون رؤوسهم إليه .

 لم يشعر بالإطمئنان لهذه النظرات التي ترمقه بها وذكرته بنظرة الكلاب الشرسة وهي تتهيأ للإنقضاض على فريستها .. لا بد من الهرب قبل أن يقع المحذور .. ها هو يتحرك للخلف ببطء فيتحركون هم أيضاً .. ببطء .. ببطء .. لا يجب أن تدير ظهرك لعدوك لكنك مضطر هنا لذلك .. ها هو ينطلق بسرعة البرق فيبدأون باللحاق به .. سرعته لا بأس بها مقارنة في مواقف أخرى حيث يبدو بطيئاً جداً بشكل يشعره بالإشمئزاز .. إنه يجري بسرعة ولكن إلى أين ؟! .. فالطرق تمتد إلى مالا نهاية .. والمصيبة أنه كلما جرى أكثر كلما زاد عدد المطاردين له .. سينتهي الأمر ها هنا .. نعم لقد أحس بذلك .. ها هي أنفاسه تتقطع وها هو التعب يغزو صدره مع كل هذا الهواء الساخن الذي يكاد يمزقه .. إنه يرى .. يرى بقعة فارغة .. هل هي النهاية ؟!

 هكذا بدت له الهوة السحيقة كأنه حوت شمر عن فكيه ليستقبل تعيس الحظ الذي سيهوي بداخله .. إنها النهاية فلا شيء الآن سوى السقوط .. أدار رأسه للخلف فرأى الأرض تتحرك .. لا .. إنها المخلوقات التي تتحرك والتي أصبحت بالكثرة حتى كادت تغطي الأرض .. هنا توقف أمام الهوة للحظات مفكراً،لا مفرالمخلوقات وراءه ( كالبحر ) والهاوية أمام .. فهل يرمي بنفسه .. هل ينتظر .. إنه لا يملك لحظة الإنتظار مع كل هذا الجيش الذي سيلحق به بعد ثوان ..

 إذن .. آ آ آ آ آ آ آ آ آ آ ه ه ه .. ها هو يسقط .. كما في كل موقف سابق له يهوي دون أن يشعر بالخوف لأنه يعلم أنه سيغادر هذا المكان قبل أن يصل القاع لو كان موجوداً من الأساس لكنه ما زال واعياً .. إنه ســ ... ما هذا .. شيء يتحرك من الأعماق باتجاهه .. إنه لا يراه .. لكنه يتحرك بسرعة كبيرة كالطيف .. ها هو يقترب منه .. يمسك به .. يحضنه .. كأم تحضن طفلها الرضيع .. ينطلق به للأعلى .. دون توقف .. رائحته زكية كأجمل عطر شمه في حياته .. كان قوياً جداً .. مهيباً في منظره إلا أنه لم يستطع أن يطيل النظر لأنه ما زال يصعد .. ويصعد .. ويصعد حتى .... فجأة استيقظ وسط حجرته الصغيرة .. إنه هنا في بيته .. على فراشه .. كان حلمـاً طويلاً كالدهر .. لكنه أدرك أنها مجرد زيارة .. زيارة قصيرة .. إلى جهنم.