لقاء الفراق-قصة مسلسلة

صادق اللواتي

عدد المشاهدات عدد القراء (559)
16/10/2007
 
لقاء الفراق  (1-3)
 
الحلقة الأولى  

قلب نبض بالحياة ، جسد مليء بالنشاط ، أمل مناه العلا و السمو، أحلام في القلب تمني النفس و تشرح الصدر ، أخلاق تشهد لصاحبها ، كلمات تبهج النفس و تسعدها .

و هناك على رمال البحر الندية ، و بين جنبات أمواجه السجية ، و من قطرات مياهه السنية ، جلس باهر أمام البحر الفسيح و على رماله الناعمة اخذ يسترجع ذكرياته ليمشي على شريط الذكريات التي تجمدت في عقله و أصبحت خالدة في روحه .

و أول ما تذكره منها هو يوم دخوله إلى المدرسة لأول مرة فكم كان شوقه كبير و فرحه عامر و استمر حاله هكذا حتى تذكر ما قاله عمه في حقه لوالديه :-

- إنني لم أرى في حياتي قط طفلاً يحب المدرسة و الدراسة مثل باهر أظن انه سيبهر العالم بأفكاره  ..!

و ما أن انتقل بذاكرته إلى يوم إن انهي المرحلة الابتدائية بتفوق حتى استقبله أهله جميعا بالتهاني والهدايا و الثناء على تفوقه .

و استمر قطار ذكرياته في التأرجح إلى أن و قف على عربة إنهائه المرحلة الإعدادية و بتفوق أيضا لكنه سرعان ما عاد بذاكرته إلى أشهر مضت حين انهي الصف الثاني الثانوي فقد كان معدله لا يبشر أبدا في انه سيدخل الجامعة و لا حتى يرضي طموحه الذي بناه بيده منذ صغره فقد قرر منذ صغره إن يصبح أنسانا له شان عظيم في بلاده.

و بلمح البصر عكر صفوه صديقه بسام و الذي كان و لا يزال من اعز الأصدقاء على باهر وأخلصهم له و هو الذي تفوق عليه في الصف الثاني الثانوي و أحرز مركزاً متقدما و معدلا عالياً يدخله اكبر الجامعات و بأوسع الأبواب وهنا ربت بسام على كتف باهر:
 
قائلاً : ما خطبك يا عزيزي .؟....أراك على غير عادتك .
- باهر : لا شيء يا صديقي ... أفكر فقط .
- بسام بتحفظ : في ماذا ؟ .... لقد انهينا هذا العام الدراسي و الحمد لله فما بالك يا رجل ؟.....ألم تعجبك الإجازة على طولها ؟
-  
باهر : ان الإجازة لرائعة و إن ما يضايقني هو أن معدلي لهذا العام لم يكن بالمستوى المطلوب .
-  بسام : لعلك لم تتهيأ للاختبارات بالشكل المطلوب أو ربما شغلك شاغل ما أو ظرف ألهاك عن استذكار دروسك .
-  باهر : فعلاً لقد شغلتني أشياء كثيرة عن المذاكرة . بسام : هل لي أن اعرف بعضاً منها لأساعدك على حلها ام إنها شخصية و سرية ؟
- باهر : لقد كنت اقطع المذاكرة و أظل أفكر في أبي الذي يكد ليلاً و نهاراً لأجلنا .

- بسام :إنها سنة الحياة يا حبيبي دراسة و أكل و نوم و شهادة و عمل و زواج و أولاد و تعب و كد و ،و،و ........
- باهر : انا على علم تام بكل هذا .
 
- بسام : إذن ماذا دهاك ؟

- باهر : أفكر كيف اجعل أهلي ينعمون بالحياة الهادئة دون ان يعمل والداي و أفكر إن اعمل بدلاً منهما .

- بسام : يا عزيزي كل هذا لن يحصل إلا إذا ركزت في المذاكرة في العام الآتي و أحرزت معدلاً عالياً .
-  
باهر : و ما عسى أن أفعل .... إن ما يسيطر على كياني كله هو هذا الأمر.

-  بسام : انك بهذه الطريقة ستضيع مستقبلك و عمرك و بل حياتك أيضا فالسنة الدراسية القادمة هي سنة المصير و هي القرار المحتوم لحياتنا المستقبلية فاما سعادة و صفاء و أما بغض و شقاء و أني لأتمنى أن نكون من الصنف الأول .
باهر : بإذن الله لكن .....
بسام : لكن ماذا ؟ ماذا حل بك يا باهر فانا لم أعهدك يوماً ضعيفاً لهذه الدرجة أبداً .
 
باهر: لكن الظروف ......

بسام : و ما نحن و الظروف انك إن أردت أن تسعد فما عليك إلا ان تضع هدفك أمام عينيك و أنت تذاكر وأنت تأكل و حتى و أنت تحلم في نومك .... اجعل الأمل الذي تريد الوصول إليه غاية لا بديل لها .
 
باهر : و ماذا بعد ؟
بسام : أعاهدك على انك بهذه الطريقة ستصل إلى مرادك و تحقق كل ما في بالك و كل ما يسلب تفكيرك....!
 
باهر : أأنت متأكد ؟
بسام : ثق بي و لنجعل الأمل ينبض في قلبينا دوماً و لا نجعل له سبيلاً في أن ينضب من عندنا و لنتوكل على الله فهو حسبنا و نعم الوكيل .... و الآن هيا قم و لنذهب لتناول العشاء .
باهر باستغراب : إلى أين ؟



 
 
الحلقة الثانية
 

 

بسام في فرح : انني ادعوك الليلة على العشاء في أي مكان تحبه .
باهر بانزعاج : لا يا صديقي فانا لا أريد أن أثقل عليك .
بسام : لن تثقل علي و لا شيء فيوم لك و يوم عليك و إن غداء الاسبوع القادم على حسابك فما رأيك ؟
باهر و ابتسامة تعلو شفتيه : الرأي رأيك هيا بنا فعصافير بطني تزقزق . و بعد إن وصلا إلى احد المطاعم الفاخرة في وسط البلد و طلبا كل ما تشتهي النفس من طعام و جلس حينها بسام إمام باهر فخاطبه
 
قائلاً : لا أريد إن أرى الكدر و الانزعاج في وجهك أبدا ... هل اتفقنا ؟
باهر : اتفقنا يا حبيبي اتفقنا . ووضع بسام يده في يد باهر و دعيا في قلبيهما إن تستمر هذه الصداقة إلى الأبد  وبعد الانتهاء من تناول العشاء و بينما هما يتناولان بعض الحلويات
وجه باهر السؤال الى بسام

 باهر:أي بسام .
 
بسام : تفضل يا عزيزي .

باهر :ما هو مستوى طموحك ؟
 
بسام في تعجب : ماذا تقصد بمستوى طموحي ؟
باهر : اقصد إلى ماذا تريد إن تصل في حياتك ؟
 
بسام : كل إنسان لا يخلو خاطره و قلبه في إن يصل إلى اسمي ما يريد و إنني لأتمنى إن أتخرج من الجامعة بإذن الله و إن اعمل و أكون أسرتي الخاصة .
باهر : أهذا كل شيء إن تنهي الجامعة فقط ؟
بسام : لا ، لكن إذا سنحت لي الفرصة فلن أفوتها أبدا و لكن ماذا عنك أنت ؟
باهر و نظرة شاردة إلى الأعلى : أنا ...... أنا أريد إن احصل على الماجستير و الدكتوراه و إن كان هناك أكثر من ذالك فاني لأتمناه .
بسام : ما شاء الله ان طموحك كناطحات السحاب و إني لأتمنى لك كل الخير و سأدعو لك في كل صلاتي لان تصل إلى مرادك فكلانا بحاجة إلى دعوات بعضنا البعض .
 
باهر : أشكرك يا عزيزي على هذا الإطراء و الآن هيا لنعود إلى بيوتنا فغداً ستبدأ الدراسة و علينا أن نكد ضعف ما اجتهدنا في الأعوام الخوالي .
بسام : انك على الحق ...... هيا ولقاؤنا في المدرسة بأذن الله . و مرت دولة الأيام سريعاً و أنهى كل من باهر و بسام الاختبارات النهائية للشهادة الثانوية العامة و لكن ماذا كان حال كل واحد منهما ؟ باهر كان كالأسد المهاجم على فريسته و كانت كل فرائسه هي الكتب يأكلها و يبلعها بدون سابق إنذار ليوصلها إلى العقل فهو لم يفوت أي ثانية في دراسته إلا و استغلها و لم ينسوه أهله من الدعاء و الدعوة له بتحقيق التفوق و النجاح وأما بسام الذي أشعل نار العزيمة في قلب باهر الذي لم يره طوال فترة الاختبارات إلا لأجل الدراسة أو المراجعة فقد ذاكر بقدر ما ذاكره في الأعوام السابقة ظناً منه انه سيحقق نفس النتائج الماضية و عند اقتراب موعد إعلان النتائج أصبح باهر يرتعش خوفاً لكن والده طمأنه بأنه سينال بحسب ما كده و تعب عليه و قال له : يا بني " لكل مجتهد نصيب " و " ما تزرعه تحصده " . إما بسام فقد أصبح أكثر هدوءاً لأنه كان متيقناً بأنه سيحصل على نفس المعدل لكن الصدمة الكبرى هلت حين علم بسام انه قد أحرز نسبة 90% فانبهر من هول الأمر

 ووقع اثر الصدمة مغشياً عليه . و في جو الفرح و السرور أحاط باهر حوله يهنئونه بإحرازه 97% و غمرت الفرحة إرجاء البيت و بيوت الجيران و لكن صوت الهاتف الذي دوى على أثره خروج باهر من البيت و أسرع متوجهاً إلى بيت بسام حين علم بما حدث له من مكروه و في غرفة بسام دخل باهر عليه و امسك بيد بسام و قال له : لماذا يا بسام ؟

 بسام : لقد فعلت و اجتهدت و لكن الله لم يوفقني و لم يستجيب دعائي

. باهر : و كيف يستجيب الله لدعواتك و أنت لم تذاكر جيداً ؟

بسام : لقد ذاكرت بنفس المعدل الذي ذاكرته في الأعوام السابقة . باهر : و لكن الست الذي شددت من عزمي إنا و قلت لي إن هذا العام مختلف و علينا إن نجتهد أكثر .

 بسام : هذا ما قلته لك و لكني لم أطبقه على نفسي و هذه هي النتائج .

 باهر: لا عليك ..... الآن حصل ما حصل و لا يمكننا إعادة الزمن   بسام و هو يبكي : لقد ضاع ، ضاع كل شيء .....لماذا يا ربي هذا العقاب ؟

 فهدأه باهر قائلاً : لا يا بسام ..... إن الدنيا لن تنتهي ها هنا و عليك الآن أن تكد أكثر و أكثر لتصل إلى ما تريده .

 و بعد إن هدأ توجه إلى باهر فقال له : و أنت يا باهر ماذا ستفعل الآن ؟

باهر : أنا سأقدم أوراقي إلى البعثات لدراسة الهندسة في الخارج ..... و لكن ماذا عنك ؟

 بسام : إن نار الفشل تشتعل في قلبي و يجب علي ان أطفأها بأي طريقة

باهر : و لكن كيف ؟

بسام : سأقدم أوراقي في الجامعة لدراسة الطب و سأسهر الليالي لأصل إلى طموحي .

 باهر : أحسنت يا صديقي فهذا بسام الذي اعرفه .... بسام الذي لا يقع في أول حفرة في طريقه فالحياة مليئة بالهفوات و علينا ان نجتازها بلا خوف . وتدور عجلة الزمن بلا أي منازع لها و يقف اليوم بسام في توديع صديق عمره باهر في المطار و أوصاه بان يحصن بدينه و عقيدته و يجعلهما إمامه و سلاحه في كل خطوة يخطوها . و بعد دقائق معدودة تعانق العزيزان عناق الوداع وكأنهما لن يريا بعضهما البعض مرة أخرى