الدموع الحائرة-قصه قصيره

صادق اللواتي

عدد المشاهدات عدد القراء (610)
16/9/2007
  

 

الدموع الحائرة


جلست في شرفة غرفتها تلهي ناظريها بزينة ابتدعها
الخلاق سبحانه و تعالى لتزين صفحة السماء المظلمة بمصابيح يستدل بها الضائع إلى دربه و الحزين إلى سروره و الفقير إلى غناه جلست سجى تفكر في أن تغير نمط حياتها إلى الواقع الأفضل و إن تعيش كباقي صديقاتها فهي الآن على مقربة من التخرج من الجامعة .

 اعتادت سجى إن تجلس إمام مرآتها و تداعب خصلات شعرها و تتهيأ للخروج بأبهى زينة و الحلي و الجمال لتقصد الجامعة و لتبهر الأنظار حولها .

 وهناك في باحة الجامعة التقت بصديقاتها فألقت التحية عليهم كعادتها و تطايرت الضحكات الماجنة و بدأت كل واحدة منهن تحدث الأخريات عن آخر صرعات الموضة و الأزياء

 والتجميل و الزينة و سجى مندمجة في الحديث معهن تناقش و تبدي بآرائها في كل ما يطرحنهن .

 

 و في إحدى الأيام و بينما صديقاتها يتحدثن عن مواضيع تافهة لا هدف منها لاحظت ليال شرود صديقتها المقربة إلى قلبها سجى فأدركت أنها واقعة في مشكلة فأسرعت في تنبيهها من شرودها قائلةً : أين وصلت الموضة أإلى باريس أم روما؟

 فانتبهت سجى لحديث ليال فقالت : لا هذا و لا ذاك .

-         ليال : إذا ما بالك شاردة ...... انك لست على ما يرام ...... أهناك شيء تخفينه عني ؟

-         سجى : كلا ..... فقط منزعجة بعض الشيء

-          ليال : و لماذا يا حبيبتي إن تفاهة الحياة لا تستحق إن تنزعجي هكذا .

-          سجى : و ماذا تقترحين علي ؟

-         ليال : اهأي ..... و اخبريني ما بك لعلني استطيع ان أساعدك او على الأقل إن أشاركك إحزانك فنحن صديقات .

-    سجى : لقد مللت من هذا الروتين اليومي في الحياة فكل يوم نأتي إلى الجامعة ثم إلى البيت و هكذا ...... أريد إن افعل شيئاً يسليني و يجعلني أحس بأنني أعيش في هذه الدنيا .

-         فأردفت ليال : لا عليك يا عزيزتي ......إن علاجك عندي

-         سجى بشوق : و ما هو؟ أسرعي بإخباري .

-    ليال : ما رأيك إن نخرج كل يوم من بعد صلاتي المغرب و العشاء و نقضي وقتنا في المجمعات التجارية و الأسواق و السينما ؟

-    سجى : نعم إنها لفكرة صائبة ...... و لكن هل سيوفق أهلي على تركي هكذا من دون حسيب و لا رقيب ارتع في الشوارع و المجمعات طليقة حرة .

-         ليال : هل اهلك معقدون ؟

-    سجى : نوعاً ما فهم يأخذون بالتقاليد و تقاليد عائلتنا تقول انه يجب على الفتاة إن تتواجد في غرفتها قبل الساعة التاسعة .

-    ليال : إذا لن نتمكن من الخروج كل يوم لكن طريقة تضمن خروجنا لثلاثة أيام فقط ..... يوم الأربعاء و الخميس و الجمعة .

-         سجى : و ما هي هذه الخطة أيتها العبقرية الماكرة ؟

-         ليال : تخبرين اهلك انك قد دعيت إلى حفل زفاف إحدى صديقاتك .

-         سجى : و لكن هل سيفي هذا بالغرض ؟

-         ليال : لنجرب و لن نخسر شيئاً أبدا

 

و في مساء ذلك اليوم و على مائدة العشاء قالت سجى لوالديها :-

- أي أبي و أمي هل تسمحان لي بالذهاب إلى حفل زفاف صديقتي يوم الأربعاء و حفل زفاف أخرى في يوم الخميس و حفل تخرج صديقتي الثالثة  يوم الجمعة ؟

- الأب : و ما الغرض من عمل حفلات التخرج ؟  لكن لا مانع لذهابك فان صديقتك سوف تحزن لعدم حضورك و لكن كوني على علم انه يجب عليك ان تتواجدي في البيت قبل منتصف الليل..!

  فانفرجت أسارير سجى فرحة و اتصلت بليال لتزف لها بشرى موافقة والديها .

و في يوم الأربعاء و بعد صلاتي المغرب و العشاء أوصل الأب ابنته إلى بيت ليال و ذكرها بان لا تتأخر فأومأت بالإيجاب في سرور بالغ . و بعد حقبة من الزمن توجهت سجى و ليال إلى إحدى المجمعات التجارية و بعدها إلى إحدى النوادي و منه الى إحدى المطاعم و هنا شعرت سجى بأنها تولد من جديد فهي الآن رأت الناس و كيف يعيشون و يتعاملون .

 

 و استمر حالها على هذا المنوال ستة أشهر فبنت سجى جسوراً قويةً من الصداقة مع ليال . و في إحدى الليالي و في نفس المواعيد التي اعتادت إن تخرج فيها سجى مع ليال قصدتا و صديقة ليال نفاف التي هي على علاقة وثيقة مع ليال إلى إحدى دور السينما و في مواقف السيارات و قبل ان ينزلوا من السيارة أخرجت ليال علبة من حقيبتها و أومأت إلى نفاف إن تلزم الصمت و قدمتها لسجى .

- سجى : ما هذا يا ليال ؟

- ليال : لا تخافي ..... فأنت قلت لي انك مللت من تفاهة الدنيا

-.سجى : و ما علاقة هذه العلبة بالدنيا ؟

- ليال : كيف ما دخلها ؟ إنها السبيل الوحيد إلى السعادة و نسيان الهموم و العيش في سعادة و رفاه من غير كآبة و لا حزن أنها سوف تنسيك كل هموم الدنيا و ستنسيك حتى اسمك فهي ستريح أعصابك إلى آخر درجة أنت فقط جربيها و لا تترددي .

- سجى : لا لا إنا أخاف إن أجرب شيئاً يؤذيني .

 و هنا تدخلت نفاف و هي مدمنة أيضا قائلةً :-

- عزيزتي سجى لقد جربتها إنا من قبلك و أنها لأسعدتني و أخرجتني عن طور حياتي و طوقتني بدائرة من الفرح و السرور و الأحلام و المنى .

 

 و بعد طول إقناع و بتردد كبير أخذت سجى رشفة من هذه البودرة البيضاء وأخذت تشمها فهي قد اقتنعت تماماً بان هذا الشيء سيكون السبيل في سعادتها و لكنها لم تكن تعلم أنها سوف تدمر حياتها بهذا السم القاتل فهي لا تعرف الدنيا من قبل لأنها لم تكن تخرج من بيتها إلا إلى الجامعة و إن الذي افهمها معنى الحياة إنما هي ليال ، و بعد إن شمت البودرة شعرت بارتياح كبير

- فقالت : أنها فعلاً لمؤثرة ..... أشعر الآن إنني أولد من جديد و إني أعيش في عالم غير عالمي هذا . و هنا أشارت ليال بعينيها لنفاف على هذا الصيد الثمين اليسير فهي تدخل مصروفاً من خلال بيعها لهذا السم و إن الذي أعطته لسجى إنما كان كهدية لتدمير سجى لا غير .

 

 و استمر حال سجى على هذا النمط إلى إن انتهى كل ما في العلبة من مسحوق فاتصلت بليال و طلبت منها إن تمنحها علبة أخرى لكن ليال أنكرت أي شيء يخصها بتلك العلبة و قالت لسجى : إن أردت إن تحصلي على هذا الشيء فانه يتوجب عليك إن تدفعي لي .

- سجى : و ماذا تقصدين ؟

- ليال : اقصد إن العلبة الأولى كانت كطعم لاستدراجك إلى الهاوية إما الآن فانه كلما رغبت بالحصول عليه فعليك إن تدفعي..!

 - سجى باستغراب : و لكن اخبريني ما هو هذا الشيء الذي كان في العلبة فانا أشمه من دون معرفة ما هو و هل يباع في الأسواق ؟

- ليال : انك لن تجديها في أية أسواق و لكن قد تتمكني من الحصول عليها من عندي فقط إنها المخدرات أيتها الحمقاء المغفلة .

و هنا وقعت سماعة الهاتف على الأرض من هول الصدمة على سجى و صدمت أكثر فهي قد وقعت في فخ الإدمان و لا يمكنها الآن مصارحة أهلها بالموضوع فهم سيعنفونها و قد يذبحونها لأنها من فضائح الدنيا ، و بعد ساعتين استيقظت سجى من غفلتها و شعرت بصداع و الم يكاد يحطم رأسها فعلمت انه بسبب المادة البيضاء و إنها قد تأخرت في الأخذ منه فأسرعت الى الهاتف و اتصلت بليال و رجتها بدموع حائرة إن تعطيها من ذلك السم و عندما أعرضت ليال عن طلبها قالت لها سجى :

-    لدي سوار من الألماس أهداه لي عمي في يوم تخرجي من الثانوية العامة سأعطيك إياه مقابل كمية كبيرة من المخدرات فماذا قلت ؟! هيا أسرعي و ردي علي فانا لا استطيع احتمال هذه الآلام التي تقطع جسدي

-         . فقالت ليال : بعد عشر دقائق سأكون عندك في البيت .

 في الوقت المحدد أقبلت ليال إلى بيت سجى و دخلت غرفتها و تبادلا التعامل على النحو المتفق عليه . و بعد اقل من شهر من تلك الحادثة تقدم فراس لخطبة سجى فهي في المجتمع من أكفأ البنات على تحمل المسؤولية و إنها كانت على خلق عالِ بالإضافة إلى ما كانت تملكه من صفات رائعة أخرى لكن حبائل الشيطان لعبت بها و إمالتها عن الطريق الحق.

 و بعد مدة وافق كل من سجى و أهلها على العريس فسجى لم تستطع ان تتحمل تكاليف المخدرات التي تدمن عليها و أنها لم توافق على فراس لاقتناعها به إنما لتحمله تكاليف المخدرات .

 

 و بعد مدة أعلنت خطوبتها و تم عقد قرانها على فراس و زفت إلى بيت فارس أحلامها الخيالي فراس .

 و في تلك الليلة و بينما هم جالسان يشاهدان التلفاز أصيبت سجى بالصداع فدخلت غرفتها و تبعها فراس ليتحقق من الأمر و كانت الصدمة الكبرى عندما رأى فراس الموقف فدخل يصرخ في وجهها و يعنفها و يضربها و لكنها هربت إلى إحدى الغرف و شرحت له كل ما حصل معها و صديقتها ليال و رجته إن يسامحها.

  و بعد طول رجاء و أمل في إن يعفو عنها فراس دخل إلى الغرفة التي جلست فيها

 و جلس بجانبها و امسك بيدها و قال لها :

- انك زوجتي و إنا قد أحببتك كثيرا و إني أتمنى إن أعيش بقية حياتي معك ولذلك فاني سأتحمل كل تكاليف علاجك من هذا السم القاتل .

 فردت عليه سجى بندم : هل سأعالج هنا ؟ إنها ستكون فضيحتي و سيكون اسمي منقوشاً على كل لسان

 فراس : لا بل سأأخذك إلى الخارج لتعالجين و تتخلصين من هذا المرض الذي استفحل في جسمك و كيانك . و في صبيحة اليوم التالي و كعادة العرسان فالعريسان يسافرون في اليوم التالي لزفافهم سافر فراس و سجى لقضاء شهر العسل في أوروبا لكن يا له من شهر عسل فهو لم يتم شهراً بل استمر إلى سنة و نصف و هما في بلاد الغربة . و بعد إن تماثلت سجى للشفاء و طهرت من هذا السم النجس القاتل عادت و فراس إلى ديارهما بعد رحلة قاسية على نفس سجى و صراع اليم مع هذا الموت الذي كان بسبب سوء اختيار سجى لصديقاتها و قلة ثقافتها ووعيها و سهولة تحريكها إلى أي جانب بأمواج الكلام و الحركات و عذب الحديث فأخذت سجى من هذا الواقع المرير درساً لن تنساه طيلة حياتها و عاش الزوجان بعد عودتهما و بعد شفاء و تحسن حالة سجى في بيتهما الدافئ الجميل في فرح و سعادة و سرور و اكتملت فرحتهما بقدوم المولود الأول و الذي سمياه فهداً ليكون فهداً يصارع قسوة الحياة و آلامها و منحدراتها .