ثلاثة في واحد ( جبران والرافعي ومليكة )


طباعة طباعة اخبر صديقك أخبر صديقك عدد المشاهدات عدد القراء (1184)
20/6/2007
 


 

مليكة أوفقير

أعداد وتقديم : فاطمة شعبان

الحلقة الثالثة

لماذا مليكة :-

لأنها قهرت الظلم والتعسف

لأنها رغم القيود علمت وتعلمت

لأنها خلف الأسوار نسجت فصول قصتها وأمام الأسور أطلقتها صرخة مدوية تقول فيها للعالم استيقظ فتحت فراشك المخملي أجساد تتعذب وتحت أقدامك المرمرية سجونٌ لا تقل عن سجن أبي غريب شيئاً..!إنها صدى المعذبين المنتشرين في السجون لا جريرة تدينهم إلا أنهم أبناء من أراد أن ينال من الملوك ما ليس له .

 

أين مليكة من جبران والرافعي؟

لقد  جسدت ما خطه جبران عن حياة القصور وتعالي الأسياد وعن ترف القصور وفقر المواطن وعن جبروت الملوك حتى على المقربين ...؟  إنها عاشت طفولة جميلة وبائسة في آن واحد ..! لإنها خطفت برضا أهلها من أحضان أمها لتهب السعادة إلى أميرة القصر الصغيرة" للامينا " فتقضي أحدى عشرة عاماً من أعذب سنوات العمر بعيدة عن حضنٍ دافيء يهب لها دروس الحياة ..!

إنها وردة من "أوراق الورد" سقطت من رسائل  الرافعي . ولكنها تمالكت رغم الأعوام العشرين من صباها فاحتفظت ببريقها لتهب من عطرها الأمل لكل من يطرق الباب دون أن ينزف جراحها فتكون له مدرسة الحياة الكبرى .

 

  من هي مليكة أوفقير؟؟


 ابنة الجنرال محمد أوفقير..قائد القوات المسلحة ووزير الدفاع  الذي قام في 16 أغسطس عام 1972 بمحاولة انقلاب فاشلة، حيث قذف الطائرة الملكية بوابل من الرصاص فوق مدينة تطوان
ولقاء ذلك.. أعدم الجنرال أو فقير رمياً بالرصاص

 

خلف أسوار القصور:-

-         مجتمع غريب .. أساطير حقيقية ... مهام غير قابلة للنقاش ... ووطن بأكمله داخل أسوار القصر

-         إنها قصور محمد الخامس والحسن الثاني في المغرب العربي...!

   - في هذا القصر حياة أغرب من الخيال . أقرب لحياة العصور الوسطى ....! الملك له من الجواري الكثيرااااات. كيف يتم استجلاب هذه الجواري؟!!!
الأغرب أنه يتم جلبهم وديا من الفتيات الجميلات ، ليكن ذات حظوة لدى الملك .
- حياة القصر كانت غاية في البؤس في هذا الجو من الانغلاق ، والنظام الحديدي. مربية ألمانية صارمة ، وحياة قاسية، حيث لا وجود للعالم الخارجي الا من خلال نوافذ السيارات الملكية فقط .

-         عصر الجواري: من أجمل نساء الوطن يؤتى بهن ويدربنا ليكون لهن دور واحد لا غير أن يكن إناث فقط !! يلغى كل شيء في كيانهن من فكر ومن تأمل ومن علم وعطاء في المجتمع كل ذلك لماذا ؟ لتحقيق رغبات الملك الجنسية فقط ..!

-         طقوس دينية خاصة لسكان القصر فقط أعراف تقليدية غير قابلة للنقاش

-         هنا عاشت مليكة .. وفي ظل هذا القصر شبت ..! لماذا ؟

 

لماذا التبني ؟ ومن المتبني ؟

 تقول مليكة :-

زيارتي إلى القصر كانت صدفة، وكانت المرة الأولى التي أرافق فيها والدتي إلى القصر الملكي، خلال هذه الزيارة تعرفت إلى الأميرة الصغيرة (للامينا)، وككل الأطفال بدأنا نلعب سوياً، وتآلفنا، وخلال اللعب تشاجرنا -ككل الأطفال- وعندما شتمتني لم أتردد في الرد عليها، مما أثار استياء أهل القصر كيف أني تجرأت. لكن فيما يخصني أنا -كطفلة- لم أكن أعي بعد أهمية أصول التعامل مع أسرة العرش، فقد كانت الأميرة بالنسبة لي مجرد طفلة صغيرة، حينها تدخل الملك محمد الخامس فأخذني في أحضانه، وسألني ما بي، أجبته بأني حزينة، لأنها شتمت أبي، فسألني بما أجبتها أنا، قلت إني شتمت والدها، وهكذا.

وهكذا بعد تلك الحادثة سأل الملك والدتي أن يتبناني، كي أكون رفيقة لُعب وحياة للأميرة، وبما أنه كان من الصعب على والدتي أن ترفض، فطلب الملك شرف كبير للعائلة، تم بين ليلة وضحاها انتقالي إلى القصر، وقد عشت ذلك بشكل قاسٍ جداً، بسبب انتقالي فجأة من حياة إلى أخرى

شارع الأميرات :-

تصف مليكة الحياة في فيلا ياسمينة التي سكنتها هي والأميرة للامينا فتقول:
*
هذا البيت الأبيض بمساحاته الشاسعة يبعد عن القصر الملكي مسافة عشر دقائق، ما أن تجتاز السيارة البوابة الرئيسية حتى تصل عبر ممر صغير إلى المبنى الذي تحتل فيه للا مينا ومربيتها جان ريفل الطابق الأول المؤلف من مطبخ وصالون يتصدره بيانو ، وغرفة طعام ، وغرفة جلوس ،وغرفة ضيوف، وحمامات وغرفة نوم للا مينا التي تتصل بباب داخلي بغرفة نوم مربيتها ، تصميم البيت حديث وأثاثه عصري ومريح للغاية:السجاد الوثير ، الستائر، المقاعد والأسرة،كل ما تقع عليك عيناه يدل على ذوق رفيع وأناقة عالية..وفي الطابق الأرض قاعة مترامية الأطراف مخصصة للعب ، تمتلئ بكل ما تهواه النفس من العاب مختلفة..دراجات ، سيارات صغيرة، بلياردو ،عدة تنكر،وعرائس بكل ملابسها ولوازمها،بالإضافة إلى صالة عرض سينمائية مخصصة فقط لاستعمالنا الشخصي..
الحديقة الخلابة تسر الناظرين تزدان بكل مايخطر على البال من أنواع الورود والأزهار:الياسمين ، الجوري،الكاميليا،زهرة العسل،وتحف بالممرات أشجار المندرين والليمون والحامض والنخيل...الخ....صـــ40
آداب التعامل:-
*
في فيلا ياسمينة كانت المربية تعطينا دروس في آداب السلوك تعلمنا كيف نجلس على الطاولة،وفي الصالون،وأصول الضيافة،وكيف نستقبل ونودع ،ونطهو ،وكيف نفرض احترامنا ،وكيف نصبح فتيات عصريات قادرات على التصرف في كل المناسبات ..صــ82

*أي حياةٍ عاشتها مليكة؟؟
الإجابة على هذا السؤال طوفان هائل من الذكريات ...دونته مليكة في ما يجاوز 350صفحة ..
سأحاول هنا أن أُسلط الضوء على أحداث معينة من هذه القصة المأساوية..لن ألتزم بالتسلسل التاريخي للأحداث ..ولن اعتمد على ترتيب الكاتبة هي متفرقات من هنا وهناك..

طفلة في قصر الملك :-
طفولة مليكة فعلاً متميزة فقد كانت في الخامسة من عمرها حينما تبناها الملك ( محمد الخامس ) لتعيش داخل القصور مع ابنته ( للامينا ) والتي تقاربها في السن .
ظلت( مليكة ) بعيدة عن والدتها حتى بعد وفاة محمد الخامس وتولي ( الحسن الثاني ) السلطة ، كانت تعيش حياة رغد ودعه ، فكانت كل أمانيها محققه كما تقول...!
 القصر الملكي :-

تقول مليكة :-

تولوا تعليمنا كيف نصبح نساء منذ اللحظة الأولى لبلوغنا..علينا التقيد بالبروتوكول..
-
ممنوع علينا بعد اليوم الخطأ..
-
علينا عدم تجاوز عتبة البلاط، وملازمة جناح الحريم.
-
علينا ارتداء الزي المغربي الطويل.
-
علينا الخضوع ، والانحناء ، والسجود ، والطاعة..
للأسف كانوا يولون جل اهتمامهم إلى النواحي السطحية والقشور التي تهمش دور المرأة وتحولها إلى مجرد أداة للمتعة ووسيلة للولادة ليس إلا وتقتل في داخلها أي ملامح فكر أو إبداع..صـــ83
هكذا إلى أن بلغت سن ال15 فأصبحت ( مليكة ) في هذا السن فاتنة الجمال مما سبب لها مشاكل داخل القصر ..!!

تقول بألم :
أين أمي لتذود عني وتحميني من جور هذه المربية  ريفل ) التي لم تترك يوماً يمر دون أن تذكرني أنني كائن وضيع ..!!
وأن ( للامينا ) أرفع مني قدراً وشأناً، كانت تمنعني أن ألبس مثلها ، أو أن أبقي شعري طويلاً ، لأن هذا يخدش مشاعر ( للامينا ) ويستفزها ، حيث كان شعرها مجعداً لا تستطيع تطويله ( ..!!
أمضت مليكة أحد عشر عاماً في حياتها في القصر، وراء أسوار قصر قلما خرجت منه، عاشت فيها ( مليكة ) سنوات طفولتها محرومة من أمها ...
فصرخت :-

 لقد أدركت مع الوقت أنني كنت طوال تلك السنوات والأيام سجينة بين جدران القصر وأنني كنت أذبل واختنق تدريجياً ...!
كم كان رهيباً أن يكون من رباني هو جلادي.وأن تعصف بي بلا رحمة أو هوادة مشاعر متضاربة من الحب والكراهية نحوه..صــ152

مليكة بين عائلتها :-

ابتسمت الحياة لـ ( مليكة ) فعادت لتعيش مع والدتها..
تقول مليكة : عدت إلى البيت مع هبوط الليل مازلت أذكر تلك العتمة وذلك الشعور الغامر في هدأت الليل بالفرح والسرور..كنت أتعجل الوصول إلى مهد الطفولة ..لأعوض ما فاتني من حنان ودفء في الأيام الخوالي ..هذا مكاني الطبيعي في بيتي وبين أهلي وعائلتي ..لقد عدت إلى حيث يجب أن أكون..
جُلت في البيت داعبت الجدران والأثاث ، نظرت مطولاً إلى الصور المعلقة كل أفراد العائلة كانوا هناك باستثنائي أنا ..
في كل تلك السنوات التي فاتني بعيداً عنهم ، كم غاب عني من قصص وذكريات وحكايات..!!هل هؤلاء حقاً إخوتي وأخواتي؟هذا أبي في بدلته العسكرية؟؟ وهذه أمي في ملابسها الأنيقة؟؟ لم أرها في هذه الثياب قبل اليوم ومن أين لي هذا وأنا كنت سجينة ومنفية هناك؟؟ صــ91

عشرون عاماً من المعاناة :-

عشرون عاما قضتها عائلة أوفقير في قبو تحت الأرض أو في بقايا سجن يقع على مسافة مئات الأميال من أي مدينة أو منزل محاط بحراسات وحضر تجول ، مع الأوامر التي يلقيها الحسن الثاني، بأن يحرم القتل على هؤلاء النسوة والأطفال الصغار، ولكن ينبغي أن يشاهدوا الموت في كل لحظة ويتمنونه… حاولوا الانتحار مرات عديدة وكتبوا بدمائهم وثيقة تذلل وطلبا للعفو ‍..
تقول : في لحظة معينة بفضل تعاون الشرطيين استطعنا أن نتصل بعائلتنا، للأسف تم التبليغ وعلى إثر ذلك اختلفت شروط اعتقالنا كلياً، الأكل أصبح محدوداً، أو بكميات صغيرة جداً، منعت الكتب، جهاز الراديو نجحنا في الاحتفاظ به، لأن الحراس قاموا بتنبيهنا، وهنا أخذونا إلى معسكر..معسكر حقيقي حيث قاموا بفصلنا، وبتوزيعنا على زنزانات، فلم نر بعضنا خلال8سنوات.

 اللحظات الأكثر صعوبة في كل هذه التجربة في السجن؟

 هو الوقت؟ هو الصمت، هو الاختناق، هو الصراع المستمر،

العراك المستمر بين جسدك وأفكارك، هو التمكن من ترويض كل حيوية الجسد الفتي جداً بمتطلباته

ورغباته، وأنت مجبر لا على كبت ذلك كله فحسب...!، بل على قتل جسدك...! إذن عليَّ قتل كاملا الانفعالات...!لكي لا يعود هناك مشكلة سوى مع عقلك، وهذا كان تمريناً على مدى سنوات طويلة، ولكن مقابل أي ثمن لأنك تقتل، وليس من السهل قتل هذه المشاعر، وليس من السهل –أيضاً- إعادة إحيائها.

 


تقول مليكة عن ما فعله الملك ( الحسن الثاني ) تجاهها وعائلتها

إذا كنت أحترم دائماً الحسن الثاني باعتباره أبي بالتبني فأنني أكره فيه الظلم والتعسف الذين ألحقهما بنا دون رحمة ، أكرهه لحقده علينا ، أكرهه لما ألحقه بأمي وأخوتي من أذى لا يحتمل، ضاعت طفولة أخوتي إلى غير رجعة ، عانت أمي الأمرين، وأنا تحطمت حياتي ..!!
كيف طاوعه قلبه على ارتكاب هذه الجريمة بحقنا ،وعلى قذفنا (( عشرين عاماً )) في أتون السجن المحرق ؟!!  

هل نجحت أم فشلت ؟

نجحت بتحمل عشرين سنة من السجن أفضل من أخوتي ربما لأنني كنت متمرسة وصاحبة خبرة في هذا المجال ،أعرف ماذا تعني الوحدة وأعرف ماذا يعني الهجران..ليس هذا هو كل ما يؤلمني ويمزقني كل شيء يمضي ويمر إلا أن يكون عدوك هو جزء لا يتجزأ منك..وتلك هي المصيبة والهزيمة..صــ15
* لقد توليت الاعتناء بهم ، وتثقيفهم وتأديبهم ، حاولت بشتى الوسائل الممكنة رفع معنوياتهم..كنت أختهم الكبرى وأمهم وأباهم ومستودع أسرارهم ، ومرشدتهم وحاميتهم..وكان هذا الأمر طبيعياً بالنسبة لي..كانت العاطفة التي أكنها لهم عميقة وأقوى من مجرد عاطفة الأخوة..على غرارأمي كانوا هم أكثر ما أحب في الحياة ..لأجلهم وحدهم كنت أتألم وليس لأجلي..صــ225
*
علمتهن الثقافة والتهذيب والعلم وآداب السلوك واحترام الآخرين..لم أكن أسمح بأي عبث أو استهتار أو تجاوز للقواعد والأصول..كنت أُصر على التقيد بآداب الطعام أثناء تناول الوجبة.. غسل اليدين ، المضغ بتأن وروية ، الجلوس المستقيم ، عدم إهمال عبارات شكراً..من فضلك..معذرة..صــ194

*
استطاعت مليكة أوفقير أن توصلهم بالعالم الخارجي بطريقتين الأولى "راديو" مهرب فكانوا ينصتون لما يحدث في العالم الغائب عنهم. وقامت بتأليف 150 قصة من خيالها على مدى 11 سنة فكانت ترويها لهم طوال الليل مثل شهرزاد من خلال أنابيب مرروها بين الزنزانات سرا فكان صوتها يصل إليهم حتى مطلع الفجر وهي تسليهم بقصة

البريد الالكتروني    
×